نفحة [ 12 ] [ في تعريف الإنسان العقلي والنفسي والطبيعي ]
لكلّ إنسان من هؤلاء الأناس برأسه حدّ فريد ، ولكلّ منهم مقام خاصّ هو بذلك عن الآخر وحيد وما منّا إلّا له مقام معلوم « 1 » يشمل كلّ خالق ثابت وجديد ، وانكشف الغطاء فبصرك اليوم حديد « 2 » : فالإنسان العقلي جوهر حيّ عاقل على كل شيء شهيد ؛ والإنسان النفسيّ جوهر ذو حياة وشوق مزيد ، وهو الواجد المحرّك من قريب وبعيد ، وهو السائق وما فوقه شهيد ، قال تعالى :
كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ وَشَهِيدٌ
« 3 » ؛ والإنسان الطبيعيّ جسم ذو نفس بالتسديد ، وهو جوهر نضيد ، وقصر مشيد ، فاعرفن فإنّ ذلك هو الأمر الرّشيد ، واللّه على ما نقول شهيد .
نفحة [ 13 ] [ بحث تفصيلي في كيفية وجود الكلي ]
ما أجهل بالمراتب من يجعل للكلي وجودا هو دون الفرد واجب ، ومن أشدّ تيها في السباسب من يجعله قديم الجعل في ضمن فرد هو عن الفرد الآخر نائب ، ألم يعلم الأوّلون من هؤلاء النواصب ، أنّ الكلي الذي له من المادة كلّ يوم رواتب ، إمّا أن يقتضي عند الانفراد وجودا ليس هو إلى المادّة براغب ، أو ما هو لها مصاحب ، أوليس في ذلك الكلي بحسب نفسه لواحد منهما « 4 » جاذب ، بل كلّ منهما « 5 » من تلقاء جاعله الواهب .
والرأي الأوّل ليس بصائب ، إذ لو كان يقتضي ذلك الكلي من نفسه أن لا يكون في المادّة التي هي شبكة العناكب ، فلا يغيب حينئذ أبدا في تلك المغارب ، وإلّا فليتخلّف الذات عن مقتضاها اللّازب ، وهو أشنع المثالب ، وأفحش المعايب ، على أنّ كون الشيء المادّي مقتضيا للتجرّد من أغرب الغرائب ، إذ في ذاته ما يناقض تلك المآرب .
والشقّ [ الثاني ] « 6 » ليس له من أهل العقل طالب ، إذ اقتضاؤه حين التجرّد الحصول في المادّة كيف يجمع مع التجرد الذي ذهب إليه هذا الذاهب ، اللّهمّ إلّا مع قسر وجبر من أمر
هامش
( 1 ) . اقتباس من الآية 164 من سورة الصافات .
( 2 ) . اقتباس من الآية 22 من سورة ق .
( 3 ) . ق : 21 .
( 4 ) . ن : منها .
( 5 ) . ن : منها .
( 6 ) . ق : - الثاني .