فنقول : هل الوجود المجرّد له غير متسبّب عن قابله ، وكذلك اللّائق بجنابه ، إذ فرض أنّه مجرّد الذات عن حامله ، بل إنّما التّسبب للمادّة في ثاني وجوده ، أي الوجود الطبيعي في مادّته ، فحينئذ فالكلي بنفس تجرّده ، لا حكم فيه لكلّيته ، مع أنّه لا حمل هنا بمتحقّق أيضا على أفراده ، فوضح الحقّ من وجهه أنّ كلا الوجودين مرتبط التحقق « 1 » بالحامل من حيث قابليّته ، وهو الحق الذي لا مرية في وقوعه ، وبذلك يتصحّح الحمل بحقيقته ، فبطل أن يكون للكلي الطبيعيّ وجود منحاز « 2 » عن فرده ، مجرّد عن المادّة في ذاته ، فخذ ما آتيتك وكن من الشاكرين لفضله ، وبالجملة ، خلص لك من هذا البيان كلّه أنّ للكلي وجودا لنفسه ، متسبّبا عن فاعله وقابله ، ووجودا لغيره ، وهو كونه في المادّة القابلة لشأنه ، والوجود الذي له في نفسه ، ممّا يليق أن يقال له الوجود الإلهي لكونه صادرا عن جاعله ، ومنتسبا إلى قيّومه بارئه ، والوجود الثاني ممّا يناسب أن يقال له الوجود الطبيعي لأنّه عبارة عن كونه في حامله ، وهو في هذا الوجود عين فرده ، وإن كان في الوجود الأوّل أيضا إنّما يصدر عن جاعله ، بمشاركة من حيث القابلية من مادّته ، فتأمّل في ما قلنا ليظهر لك الحقّ عن محضه ، تعلم أنّه كيف تاه الجاهلون عن معنى الكلي ووجوده .
نفحة [ 15 ] [ العالم محدث ]
ألم يقرع سمع الآخرين « 3 » من أرباب الأنظار ، أنّه قد جاء من عند اللّه المختار ، رسول الأحرار ، ومجمع الأسرار ، وخاتم النبيّين الأطهار ، فنادى الأخيار والأشرار ، بالسرار والجهار ، أنّ العالم محدث بما فيه من المراتب والأطوار ، وقد نطق هو عليه وآله السلام من عند اللّه القهّار ، وما عند اللّه خير للأبرار ، إلّا أنّهم عن السمع لمعزولون حيث لم يسمعوا هذا المقدار ، وقد أطنبنا الكلام في حدوث العالم بكليّاته وجزئياته من دون تجوّز أو لفظ مستعار ، في رسالتنا المسمّاة بمرقاة الأسرار « 4 » ، وبيّنّا فيها أنّه مسبوق الوجود بالزّمان ذي المقدار ، من دون تكلّف في القول أو تعسّف في الأنظار .
هامش
( 1 ) . م : التحقيق .
( 2 ) . ن ( نسخة بدل ) : ممتاز .
( 3 ) . م : الآخر .
( 4 ) . وهي الرسالة الرابعة من هذه المجموعة .