نور عرفاني [ في أنّ وجود كل شيء مسبوق بمادة وأنّ الجسم في النفس كما هي في العقل ]
اعلم أنّ المادّة إنّما يقال لما يحمل قوّة الشيء ، فكما أنّ الطبيعة الجسمانية مادة لصور الأعراض الثانوية لكونها حاملة لقوتها كذلك النفس كالمادّة للجسميّة الطبيعية لما فيها من قوّة وجودها المعلول للنفس وكذا العقل كالمادّة للهيولي وللنفس لصدورهما عنه لكن تتفاوت القوة المستعملة في تلك المراتب بالكمال والنقصان والخلوّ والتحلّي والخسّة والشرافة ، فكلّ لكلّ على حسب ما يناسبها ، فتحدّس أنت بتفصيل ما أجملنا بقدر عرفانك من قول الحكيم المقدّم أرسطاطاليس الأعظم حيث قال : « إنّ الفعل أفضل من القوّة في هذا العالم . وأمّا في العالم الأعلى فالقوّة أفضل من الفعل . وذلك لأنّ القوة في العالم الأعلى « 1 » لا يحتاج إلى أن يخرج إلى الفعل من شيء إلى شيء » - انتهى . وبالجملة ، فاعرفن من هذا الأصل أنّ الجسم في النفس كما هي في العقل .
فذلكة [ في تفصيل القول بمسبوقية وجود كل شيء بمادة في الوجود الرابطي والنفسي ]
اعلم أنّ ما قلنا في هذا المكان من مسبوقية وجود كلّ شيء بمادة حاملة لقوّته إنّما هو ممّا قاد إليه البرهان ويؤيّده كلمات أهل العرفان ، وإذا نظرت بالنظر الأدق الأتمّ وبكلتي عينيك المكتحلتين بنور القدم وعاينته ببصيرتك المؤيّدة بالنور الإلهي والعلم اللّدنّي وسلكت طريقة هذا المقصد بمصباحي البرهان الإنّي واللمّي وجدت الأشياء ذات جهتين ورأيتهما باعتبار كلّ منهما لها وجودا ، لا أنّ هاهنا وجودين لامتناع ذلك كما قلنا في إحدى الدرجتين ، بل بالمعنى الذي سبق من أنّ أحدهما ما هو لنفسه وبالنظر إلى بارئه من حيث يصدر عنه تعالى ، وثانيهما هو الرابطي الذي لها بالقياس إلى غيرها . فإذا نظرت بعين اليقين وجدت بحق اليقين كل واحد واحد وجميع فرد فرد منها بالاعتبار الأول أي في الوجود
هامش
( 1 ) . ن : - فالقوة أفضل . . . الأعلى .