« فإن كان العالم تامّا في غاية التمام فلا محالة إنّ هناك الأشياء كلّها إلّا أنّها بنحو أعلى وأشرف كما قلنا مرارا ، فثمّة سماء ذات حياة وكواكب مثل هذه الكواكب التي في هذه السماء غير أنّها أنور وأكمل وليس بينها افتراق كما يرى هنا ، لأنّها ليست جسمانية وهناك أرض ليست بسباخ لكنّها حيّة عامرة ، وفيها الحيوان كلّها الطبيعية الأرضيّة التي هاهنا ، وفيها نبات مغروس في الحياة ، وفيها بحار وأنهار جارية وما يجري جريا حيوانيا ، وفيها الحيوانات المائية كلّها وهناك هواء وفيه حيوان هوائي » .
وممّا نصّ الحكيم المذكور على المرتبة المتوسطة هو ما قال في ذلك الكتاب بعد أمور متعلقة بالنفس : « فهي متوسطة بين العقل وبين الأجسام ويقبل من العقل قوّة الحسّ يفيض على الجسم القوّة التي يأيتها من العقل » - انتهى . وله - شكر اللّه مساعيه - كلمات أخر في هذا المقام ونحن نكتفي بما ذكرنا لاختصار الكلام . وبالجملة ، هذه المراتب الثلاث بهذه الصفات المذكورات ممّا أجمعت عليه أرباب المعقول من أهل الدّيانات .
تفريع [ العوالم الثلاث متقاربة الآفاق متحاذية المراتب ]
فإذا دريت أنّ كلّ ما في هذا العالم الحسّي فله مثال في العالم الغيب الإمكاني فتحدّس أنّه كما كان في عالم الأجسام أفلاك وعناصر ومواليد وحركات وأزمنة كذلك في الغيب الإمكاني هذه كلّها على نحو أتم وأعلى ، وكما أنّ في الغيب الإمكاني أفلاك لا من جنس هذه الأفلاك كذلك فيه حركات وأزمنة لا من نوع هذه الحركات والأزمنة .
وليعلم أنّ كل ما يحدث في عالم الأجسام على الدفعة الآنية فإنّما يتسبّب عن حركة في ذلك العالم الأعلى تدريجيّة يناسب ذلك العالم الأعلى لا على نحو التدريج الذي في عالمنا هذا بحيث يغيب كلّ جزء عن آخر « 1 » بل الجزء الأخير من الحركة هنا مع الجزء الأول ولا يغيب عنه بخلاف ما في هذا العالم الحسّي .
هامش
( 1 ) . ن : أخير .