تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الاربعينيات لكشف أنوار القدسيات — صفحة 143

مساهمون:

ص١٤٣
الغيبي - بالحقيقة روح ذلك الشيء الجسمي ، بل هو الأصل في تلك الحقيقة ، وهذا المحسوس مثال وصنم له ، وبذلك جرت سنّة اللّه ولا تبديل لخلق اللّه . والدليل على ذلك أمّا من طريق العقل فمن وجوه شتّى أقربها مأخذا وأسهلها أخذا هو ما نذكره في بياننا هذا ، ولم نتعرض للوجوه الأخر إمّا لكثرة مباحثها أو لما نظنّك قد استفدت منّا في مدارج كتبنا ، وبيان هذا الطريق إنّما يكون بعد معرفتك بأنّ مرادنا من الغيب هاهنا هي مرتبة متوسطة بين العالم الإلهي أي الصّور العلميّة الإلهية وبين عالم المحسوسات ، ولنسمّ تلك المرتبة مطابقا لما فعله بعض مشايخ الطريقة القويمة ب « الغيب الإمكاني » لإمكان ظهور ما فيه من أشباح الأنوار الإلهية وعكوس الصّور العقلية وأشعّة العلوم الربّانية في هذا العالم الحسّي ، وقد سمّاه جماعة ب « عالم المثال » و « الخيال » وأسماء أخر لكنّ المراد بالكل أمر واحد لا يتكثّر . وبالجملة ، إذا دريت هذا فمن البيّن أنّ للأشياء وجودا علميّا وتحقّقا عقليّا في حضرة الإله تعالى شأنه مع قطع النظر عن أنّ علمه بها على أيّ نحو هو ، إذ لا يتعلق هنا غرضنا بذلك وهذا الكون لا ينكره أحد من المتكلّمين والحكماء من أهل المذاهب والآراء ، فإن شئت اجعلها معدومات ثابتة أو سمّها ب « الأعيان الثابتة » أو ب « حضرة الأسماء » أو ب « الصّور التي في صقع الرّبوبية » أو ب « المثل النورية » فإنّه لا يضرّ بالغرض المطلوب هنا وإنّما الغرض في هذا المقام هو القدر المشترك من معنى ذلك الذي لا اختلاف فيه للعقلاء من أهل الأديان وأرباب الآراء ، والقدر المشترك هو معقولية تلك الصّور وعلوّها عن هذا المنظر أي عالم الحس والشّهادة ومقام الحدوث والمخالفة ، ومن المستبين أنّ هذه حقائق الصّور التي في عالمنا هذا إذ ما عندنا ينفد وما عند اللّه يبقى فهي الذّوات المتأصّلة والحقائق المتقرّرة . وإذ قد علمت هذا ، فمن البيّن الواضح أنّه لا نسبة للعالم المحسوس إلى العالم المعقول الصرف ولا اتّصال له به ، فلا بدّ من مرتبة متوسطة بينهما هي بالقياس إلى تينك المرتبتين المتقابلتين كخيالنا بالقياس إلى ما نعقله وبالنسبة إلى ما يظهر لنا في الحسّ من الأفعال التي نتصوّرها . وتلك المرتبة لها نسبة إلى المعقولات في كونها نورانية لطيفة لها تجرّد تام من الحسّ