المتحرك بهذه الحركة الأولى يجب أن يكون ازليّا ، إذ لو كان كائنا - كما يقوله أفلاطن الإلهي وأهل الشرع من ملّة الإسلام ومذهب النصارى - لزم أن يتكوّن بحركة أخرى فلم يكن ما فرضناه حركة أولى بحركة أولى ويمتنع أن يذهب أمر الحركات والمتحركات إلى غير النهاية ، وإلّا لم يوجد مبدأ أول للحركة وإذا لم يوجد الأول لم يمكن أن يوجد الأخير « 1 » . هذا خلاصة ما نقله ابن رشد الأندلسي في جامع الفلسفة عن معلّم الحكمة أرسطاطاليس مؤسّس قواعد المشائية .
وأقول : إنّ القول الفصل في التخلّص عن هذه الشّبهة هو أنّه هب تلك المقدمات مع نتائجها على أنّ لنا في كل منها كلمات ليس هنا محلّ ذكرها ، لكن أنتم يا معشر مفسّري كلام هذا الحكيم الأعظم ما دريتم غرض هذا الفاضل المقدم من الأزل والقدم ، وكأنكّم على حسبان إخوانكم المتأخّرين من أنّ الأزل ظرف خارج عن الزمان متقدّم على هذه الأحيان بل الأمر كما حقّقنا في المرقاة على خلاف ما زعمتم وذلك ظنّكم الذي ظننتم أردّ بكم « 2 » ، إذ الأزل هو تعرّي الشيء عن التقيّد الوجوديّ والتّسبب الحصولي بالزمان وعن التعلّق الارتباطي بالأكوان ، والأزلي هو ماله ذلك الشأن بل هو في أيّ آن وجد فهو فوق الزمان وفي أفق آخر أعلى من الأكوان ، وهذا هو مقصود هذا الفيلسوف الأعظم فيما يقولون في شيء أنّه أزلي كما ينادي في أقواله بصوت جلي ، لا أنّه يمتدّ في الزّمان الماضي إلى غير نهاية حتى لا تكون له بداية ؛ فتبصّر فإنّ ذلك ممّا لا يناله أيدي الخائضين في الحكمة .
على أنّا سنبيّن إن شاء اللّه تعالى أنّ العالم بكافة أجزائه من المواد والصور والطّبائع والأشخاص والأرواح وبالجملة الجواهر والأعراض كلّها حوادث في الزّمان لكن من غير جنس هذه الأكوان وستطلع عليه إن شاء اللّه المنّان .
ومن دلائلهم المعوّل عليها التي استدلّوا بها على هذا المدّعى من جهة الزّمان هو أنّ كلّ زمان محدود متناه فطرفاه آنان وكلّ « آن » فهو نهاية للماضي وبداية للمستقبل ، فمتى فرض زمان حادث لزم أن يكون له آنان ليس أحدهما نهاية للماضي والآخر بداية للمستقبل ، بيّن أنّه من ضرورة وجود الآن تقدّم الماضي قبله وتأخر المستقبل بعده ؛ لأنّه الحدّ المشترك بينهما ، فمتى رفعها الزّمان لزم وجوده فوجب أن يكون الزّمان لا بداية له ولا
هامش
( 1 ) . ن : الآخر .
( 2 ) . ن : أرديكم .