لكن تعيين حدودها وتوجيه المادّة إلى ما يصلح أن تكتسب تلك المادّة أوّلا فأوّلا وما ينبغي لها أن يلبسه مترتّبا إنّما هو غير ذلك الجسم المقتضي لها ، إذ لا شعور لها بما يصلحها ولا يعرف الضارّ من نافعها ، فهو أيضا من قبل النّفس العاقلة المحرّكة لها . فقد دريت المعنى من ذاتية الحركة للجسم وكذا المراد من التحريك للنّفس .
ثمّ تفطّن من ذلك أنّ كلّ جسم فهو متحرّك دائما أيّة حركة كانت في أيّة مقولة اتّفقت حسب العناية الأولى الموصلة كلّ مستحقّ إلى ما يستحقّه وكلّ ذي قبول إلى ما يقبله ؛ تأمّل حدوث المعادن والجواهر في بطون الجبال والأراضي الجامدات وتكوّن العيون وأنواع الحيوان في بواطن الأرضين الغائرات ؛ أليس ذلك بحركة ذلك الجسم في الكيفيّة وغيرها .
ثم تدبّر جميع الأجسام وحركاتها وتكوّن الحيوانات في بواطنها وحركاتها نحو كمالاتها ؛ فانظر ما ذا ترى قال اللّه تعالى :
وَتَرَى الْجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ
« 1 » .
قاعدة [ 10 ] [ في أنّ الحركات تنبعث من النفس الكلية أو الجزئية ]
قد استبان لك في ما تلي عليك من الكلم وأفيض على قلبك من الحكم أنّ جميع التحريكات إنّما تنبعث - بوجه قد حقّقته - من النفوس المدبّرات ؛ فهي محرّكات لكافّة المتحركات . فما من حركة في الأمور الجسمانية إلّا وللنفس فيها مدخلية تامّة ، وما من وصول إلى غاية إلّا ولهذه اللطيفة الإلهية فيها عناية خاصّة أو عامّة ؛ مع أنّه لا يضرّ ذلك بذاتية الحركة للطبيعة الجسمانية ، وهذا من غريب الحكمة الإلهية .
ثمّ إنّي ما أظنّك ممّن استشكل عليك أمر الحركات الطبيعية واستصعب عليك حقيقة الانتقالات المنسوبة إلى الطبيعة ، وذلك لأنّ التحريكات النفسيّة على قسمين لا ثالث لهما ، تدبيرات هذه اللطيفة على نحوين لا واسطة بينهما : فمنها التحريكات الصادرة من النفوس الكلية المدبّرة ، كلّ منها لطائفة من الأمور الجسمانية والمخرجة لها من القوّة إلى
هامش
( 1 ) . النمل : 88 .