لا يحتاج إلى تكلّف في مأخذه ، وإنّما ذلك نشأ من قلّة تدبّر الخائضين وسوء توهّم من كلام السابقين . قد فصّلنا القول في ذلك في بعض مسفوراتنا فمن أراد الحق فلينسلخ عن تلبيس هؤلاء العلماء ليكتسب فطرة أخرى لفهم بياننا . ولنرجع إلى ما كنّا نخوض فيه فنقول :
إذا كانت الماهية هي الأصل فجميع الأحكام العامة إنّما هي لها أوّلا ، ولغيرها من التوابع ثانيا وبواسطتها ، لأنّ الوجود الذي هو اعمّ العوام إنّما هو لها ، فكافّة الأمور التابعة في الصدق على الماهية للوجود يكون لها ؛ وقد ثبت عندنا جميع ذلك بالبراهين التي لا يسع هذا المقام لذكرها ؛ بل لكثرة مباحثها يضرّ بالغرض « 1 » الذي هنا مطمح نظرنا .
وبالجملة ، من تلك الأمور هو الجعل فهو أيضا للماهية بالذّات ، إذ لا معنى لجعل الوجود : أمّا مع استغناء الماهيّة حينئذ عن الجعل مطلقا فذلك ظاهر البطلان ، لاستلزام ذلك كونها متذوّتة الذات دون فاعلها مستغنيتها عن قيّومها وبارئها ؛ وأمّا مع تعلّق الجعل لها بالعرض - كما زعمه بعض - وذلك أيضا غير خفيّ الفساد لما أصّلنا من كونها هي الأصل فهي أولى بالمتبوعية .
وأيضا مصحّح حمل الوجود على الماهية هو الفاعل فقط ؛ لأنّه موجود حين لا حمل هنا بعد الحمل ولا أمر آخر ، إذ مع قطع النظر عن جميع الأمور الخارجة عنهما يحكم عليها بالوجود ، فليس المصحّح للحمل إلّا الصدور عن الفاعل والانتساب به ؛ وهذا هو المراد من الجعل . فالجعل المتوسط في الحمل المصحّح إيّاه متقدّم على الوجود ، إذ به يصحّ حمل الوجود . وظاهر أنّه لا شيء قبل الوجود يصلح لتعلّق الجعل ، فهو للماهية بالذات والأصالة ، وللوجود بالعرض والتّبعية ، كما هو اللّائق بمرتبتها . وإذ قد دريت أنّ الجعل إنّما هو للماهيّة بالذات فاعلمن أنّ الحق في جعل الماهية هو البسيط لسخافة القول بجعل المركب ؛ بل لم يقل به أحد يعرف بالحسب والنسب .
فائدة [ 2 ] [ في الماهية وأحكامها ]
الماهيّة هي ما به الشيء هو هو وليست هي مرتبة ذاتها إلّا هي ، فهي من حيث نفسها لا
هامش
( 1 ) . ن : يضرنا لغرض .