المبحث الثالث في أنّه سأل عن الموجد الموجد
والجواب : إنّه الطبيعة الكليّة والعناية الرحمانيّة والقوة الجوهريّة الفائضة عن النفس الإلهية لتدبير العوالم المادّية من العلوية والسفليّة وهي مظهر الإرادة الربانيّة ، كما في توحيد المفضل « 1 » من قول مولانا الصادق عليه السّلام : « إنّ الطبيعة تفعل بإرادة اللّه » وهي الفاعلة في العالم الكوني الفعل الذي يقابل الانفعال . ونسبة الإيجاد الفعلي المقابل للانفعال التدريجي إليها دون نظيرتيها السابقتين لوجهين :
أحدهما : إنّ الصنع - بل الإيجاد باعتبار - مما « 2 » يقال في الحقيقة على عالم الخلق الذي يقع فيه الفعل والانفعال المتجدّدين « 3 » والتحريك والتحرك الزمانيين ، ومبدأ ذلك العالم من تلك القوّة الشريفة التي هي مظهر الرحمة الإلهية من الاسم « الرحمن » ؛ لأنّه بسبب نفخ هذه الصورة الشريفة النورية في المادّة القابلة الكليّة تنفّس الجسم الذي هو العرش من وجه تنفّس الصعداء وباستنشاق المادّة ذلك النفس الرحماني من قبل اليمن أي الوادي الأيمن من عالم الأرواح انتظم نظام العلويات والسفليات برمّتها . وأمّا المرتبتان المقدمتان - أي العقل والنفس فهما من عالم الأمر ومنزل القدس والكمال . ولا يجري هناك الفعل والانفعال ولا الحركة والانتقال ، بل إنّما تترتّب الآثار على المؤثّرات في ذلك العالم الشريف بمحض التعقّل والشوق ، بل المعلولات في ذلك العالم نفس التعقّل والشوق ، كما يعرفه أهل الذوق . قال اللّه تعالى :
إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ
« 4 » . وعند النظر الجليل يرى أنّ معلولات عالم الأمر إنّما هي آثار التسبيح والتقديس الذي طباعهم ، ونتائج التهليل والمجيد الذي شأنهم ، وأنّهم لا يفترون من ذلك ساعة ولا يسأمون لحظة ؛ يرشدك إليه أنّ تسبيحنا يغرس شجرة في قيعان الجنة - كما في الخبر « 5 » - فيكف الظنّ بتسبيحاتهم وتقديساتهم مع كمال طهارتهم .
هامش
( 1 ) . توحيد المفضل ، ص 18 .
( 2 ) . ن : هما .
( 3 ) . ن : التجدديين .
( 4 ) . يس : 82 .
( 5 ) . سنن الترمذي ، ج 5 ، ص 510 ، الحديث 3462 / بحار الأنوار ، ج 7 ، ص 292 : « الجنة قيعان وإنّ غراسها سبحان الله » . وقال المجلسي : القيعان جمع القاع : أرض سهلة مطمئنة .