وينجي من الوقوع في شكوك الأهواء ، والتورّط في مضلّات الآراء ، ويوجب العلم بحقائق الأشياء المعرفة بكيفيّة الترقّي من المسبّبات إلى أسبابها ، بل تورث التحقّق بتلك الحقائق التعلّق بهذه الدقائق ، كما قيل في مرتبة العقل بالفعل .
وأمّا قوى النفس الكليّة الإلهية ، فاعلم أنّ كلمة « في » كلّما ورد في المواضع فهي للسببيّة ، مثلها في قوله صلّى اللّه عليه وآله : « إنّ امرأة دخلت النّار في هرّة » « 1 » ؛ فالبقاء الدائم لا يمكن إلّا بالفناء عن كل شيء حتى عن الفناء ، والنعيم الدائم لا يحصل إلّا بتحمّل المشاقّ ومقاساة « 2 » الشدائد واستدامة هذا الذواق ؛ وكذا العزّة الثابتة عند اللّه لا تنال إلّا بالذلّ بين الناس
تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلا فَساداً
« 3 » . وكذا الافتقار الكلّي إلى اللّه لا يحصل إلّا بالإياس عن الناس ، وأنّهم لا يملكون ضرّا ولا نفعا بالبرهان والقياس .
ودرجة الصابرين لا يوصل إليها إلّا بأن لا
تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ
« 4 » .
وفي قوله - صلوات اللّه عليه وآله - : « والعقل وسط الكلّ » تصريح بأنّ هذه النفوس كالدوائر للعقل ، فهو بمنزلة المركز غير أنّ المركز في الدوائر العقليّة هو المحيط بالدائرة بخلافه في الدوائر الجسمانيّة . ومن ذلك يظهر أيضا أنّ الكلّ قشور لهذا اللبّ ؛ وأنّها مراتب تنزّلات ذلك النور « من دبّ إلى شبّ » « 5 » . وذكر الآيتين للاستشهاد على أنّ بدؤ هذه الأنفس من اللّه ذي الجلال ، وإليه عودها بالكمال ؛ فقوله تعالى :
وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي
« 6 » لبيان الابتداء ؛ وقوله جلّ وعلا :
يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً
« 7 » لبيان الإعادة ؛ فتبصّر .
هامش
( 1 ) . مسند أحمد ، ج 2 ، ص 507 .
( 2 ) . ن : مقارة .
( 3 ) . القصص : 83 .
( 4 ) . الحديد : 23 .
( 5 ) . مثل . وفي المنجد ذيل كلمة « شبّ » : « من شبّ إلى دبّ » : أي من الشباب إلى أن دبّ على العصا . فعلت من شبّ إلى دبّ : أي من شبابي إلى أن دببت على العصا » وعلى هذا فما في النص سهو .
( 6 ) . الحجر : 29 .
( 7 ) . الفجر : 27 - 28 .