واحد منهما بالآخر كما لا يخفى ، حتّى ظنّ من ذلك بعض الأعلام أنّها صفة واحدة ؛ فتعرّف .
المبحث الرابع في أنّه سأل عن الجاري المنجمد
والجواب : إنّه الطبيعة الجسميّة أي الجسم الطبيعي المرسل وهي طبيعة سيّالة بذاتها من دون ميعان بل في جمود ، ومتحرك بنفسها مع كونها ثابتة في ذاتها ، كما قال - عزّ من قائل - :
وَتَرَى الْجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ
« 1 » . أمّا معنى كونها سيّالة متحرّكة بذاتها فهو أنّ الحركة من لوازمها من حيث قابليّتها واستعدادها الذاتي ؛ لأنّ تحرّكها « 2 » النفس تحريك « 3 » التسخيريّ الشوقيّ . وكون التحريك من قبل النفس لا ينافي كون حركتها بذاتها بمعنى أنّ القبول المخمّر في طينتها يبعثها على الطلب من النفس ؛ لأنّ تعيين حدود الحركة وجهاتها لا يمكن أن يكون لذاتها بل إنّما هو من قبل النفس وإرادتها .
ومن ذلك قيل : إنّ النفس عدد متحرّك فهي المتحرّك المحرّك .
وأمّا ثبات الطبيعة الجسميّة وجمودها فمن جهة أنّ ذاتها ليست نفس الحركة والسّيلان - كما زعم بعض الأساتيذ الأعلام « 4 » - بل هي ذات ثابتة بنفسها والحركة عارضة لها من حيث القابليّة عروض اللوازم الذاتيّة لمعروضها . وتحقيق ذلك مبسوطا مذكور في رسالتنا المسمّاة ب مرقاة الأسرار « 5 » في بيان حدوث العالم حدوثا زمانيّا .
ثمّ إنّ ذلك التغيّر مبدأ سائر التغيّرات التي بعدها - أيّ تغيّر كان - مع جمودها في الظاهر على حالها . فالعالم الجسماني بمجموعه متغيّر ومتحرّك دائما يتبدّل تعيّنه مع الآنات ؛ ففي كل آن يوجد متعيّن غير المتعيّن « 6 » الأول . والعين « 7 » الواحدة التي تطرأ عليها هذه التغيّرات - وهي بحالها - هي الجسم الطبيعي الثابت بذاته المتغيّر بأحواله . وفي الآية الكريمة إيماء إلى ذلك حيث قال :
وَتَرَى الْجِبالَ
أي الحقيقة الأصليّة التي هي طبيعة
هامش
( 1 ) . النمل : 88 .
( 2 ) . ن : تحريكها .
( 3 ) . ن : تحريكها .
( 4 ) . إشارة إلى رأي الصدر الدين الشيرازي في القول بالحركة الجوهرية .
( 5 ) . سيأتي في رسالة مرقاة الأسرار ، القاعدة 6 .
( 6 ) . ن : المعين .
( 7 ) . ن : المعين .