حيث ينتهي في الشرف إلى شخص يظهر فيه الكلّ ، وفي الخسّة إلى آخر يبطل فيه القلّ الجلّ ، كما قال سبحانه :
تَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ
« 1 » وقال تعالى :
فَأَنْساهُمْ أَنْفُسَهُمْ
« 2 » إلى غير ذلك من الآيات .
ومن أمارات التطابق المذكور كون الكلّ ذوات قوى خمس وخاصّيتين ، فإنّ ذلك مشعر بأنّ كلّ لاحقة هي تنزّل السابقة لكونها لمّا عملت أو أخطرت بالبال في عالمها ما يوجب سقوط جناحها الذي يطير به في فسحة الجنان وقعت في شبكة تلك اللّاحقة ، وهكذا إلى أن هبطت إلى الأرض السافلة ؛ وأنّ هذه اللّاحقة إذا ارتاضت بما يوجب ارتياشها وتخلّصت من الذنوب التي أحاطت بها من التعبّد بالأحكام الإلهية والتقلّد بالنواميس الربانيّة طارت إلى وكرها الأصلي ورجعت إلى عالمها العلوي .
فلنشرع في تطبيق القوى في المراتب الأربع على الولاء فنقول : بالحريّ أن نذكر ذلك بين كلّ متجاورين ليظهر من ذلك انطباق الكل في البين :
فاعلم أنّ الجذب يضاهي السمع ؛ لأنّ جذب الصماخ للصوت يصير سبب السماع . الإمساك يضاهي الإبصار - بناء على ما هو الحقّ عندنا من أنّ الإبصار إنّما يكون في خارج باستيلاء نور النفس على ظاهر الشيء المحسوس كأنّه يحفظه ويمسكه لتنال النفس منه ما تنال . وقد تقرّر أيضا في مدارك أرباب الأذواق الإلهية أنّ إمساك السماوات والأرض وما فيهما إنّما يتسبّب عن الاسم « البصير » ولذلك ورد في تفسير قوله تعالى :
وَلِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي
« 3 » أي على حفظي « 4 » ، وقال تعالى : و
ما يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمنُ
إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ
« 5 » .
والهضم يضاهي الذوق ؛ لأنّ تلك القوّة مبدأ مبادئ الهضم .
وكذا الدفع يضاهي اللمس ؛ لأنّ عمدة منافع اللمس دفع المنافر .
وكذا التربية يضاهي الشمّ ؛ لأنّ القوى الدماغية هي العمدة في التربية .
ثمّ البصر يحاذي الفكر ؛ لأن النظر أصل الفكرة في عالم الكون ، كما أنّ الفكرة أصل النظر في العالم « 6 » العلوي .
هامش
( 1 ) . التوبة : 55 .
( 2 ) . الحشر : 19 .
( 3 ) . طه : 39 .
( 4 ) . مجمع البيان ، ج 7 ، ص 18 / التفسير الكبير ، ج 22 ، ص 54 .
( 5 ) . الملك : 19 .
( 6 ) . ن : عالم .