وثانيهما : إنّ تينك المرتبتين السابقتين هما ليستا من عالم الخلق والصنع ، بل هما ما يعبّر عنه في لسان الشرع بعالم الأسماء والصفات ليس إلّا ؛ لكنّ المرتبة الأولى هي مرتبة الأسماء والصفات الذاتية كالعلم والحياة والقدرة ؛ والمرتبة النفسيّة هي مرتبة الأسماء والصّفات الفعليّة كالمشيّة والكبرياء والعظمة ، بل النظر الجليل يرى الأولى هي الصفات الذاتيّة الإلهية من حيث المرتبة والحقيقة . والثانية هذه الصفات ، لكن من حيث الوجود والتحقق ؛ فنسبة الإيجاد إلى المرتبتين السّابقتين ليس كنسبته إلى المكوّنات ، بل الإمكان الذاتي « 1 » في العوالي محض اعتبار عقلي ، كما قاله بعض الأعلام .
وبالجملة ، هذا العالم العلوي ، عالم الوجوب المتآخم لأفق الوحدة الحقّة والبساطة المحضة وقد قيل : عالم الأمر ما لا حكم فيه للإمكان .
وإلى المرتبة الأولى أشير بقوله تعالى في آخر سورة الحشر :
هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلَّا هُوَ عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ
« 2 » وإلى المرتبة الثانية بقوله :
هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ
« 3 » وإلى المرتبة الثالثة التي نحن بصدد بيانها بقوله :
هُوَ اللَّهُ الْخالِقُ الْبارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى يُسَبِّحُ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ
« 4 » ولنرجع إلى ما كنّا فيه :
فنقول : إنّ تلك الطبيعة غير الصورة الفاعلة في الأجسام بل هي العناية الربانيّة الممسكة لنظام العالم وهي مطلع الإرادة الإلهية التي هي نفس الفعل ( بالفتح ) في الأخبار النبويّة . معنى الموجدية والموجديّة ، بالفتح ثمّ بالكسر ، إنّها فاعلة في الأشياء بإذن اللّه ومعطية للصّور كما شاء اللّه ومخلوقة بنفسها من اللّه ؛ إذ الأشياء مخلوقة بالإرادة وهي مخلوقة بنفسها . وفي معنى الموجدية والموجدية في الطبيعة التي هي مطلع الإرادة ما ورد في الأخبار عن الأئمة : من « إنّ اللّه خلق الأشياء بالمشيّة وخلق المشيّة بنفسها » « 5 » وهذا بعينه يجري في الإرادة ؛ غير أنّ الفرقان بينهما قليل . وكثيرا مّا يعبّر في الأخبار عنهما بأحدهما ، وعن كل
هامش
( 1 ) . يؤيّد ما حققنا ذكر التهليل في الفقرتين الأوليين دون الثالث . وفي هذا أسرار طوبى لمن فاز بها . منه . ( هامش ن ) .
( 2 ) . الحشر : 22 .
( 3 ) . الحشر : 23 .
( 4 ) . الحشر : 24 .
( 5 ) . التوحيد ، ص 148 ، حديث 19 وص 339 ، حديث 8 .