القدس وطينة العلّييّن وملكوت هذه الأجسام الكدرة المغشاة بألف غواش إلى أن ظهرت لنا محفوفة بها وإنّما هي باطن تلك الأجسام ولا يرى إلّا بأبصار الملكوتيين وهي مادة الصّور الأخرويّة وحورها وقصورها وأشجارها وأثمارها وعليها النشأة الآخرة . وفوق ذلك مرتبة أخرى هي أعلى علّيين وعالم القدس والنور المحض وهي للمقربين وقد بيّنا تفصيل ذلك في رسالتنا الموسومة ب البوارق الإلهيّة « 1 » . وهذا القدر يكفي هاهنا لأهل البصيرة ؛ فتبّصر !
المقام الثاني فيما يتعلّق باستدلال الدّهريّة والجواب عنه
ذكروا « 2 » - خذلهم اللّه - في الدليل على أنّ الأشياء لا بدء لها قولهم : « إنّا لا نحكم إلّا بما نشاهد » وهذه هي مقدمة « الوضع » باصطلاح الجدل وهي ما اعتقده السوفسطائية بأن كلّ موجود فهو محسوس ، وما ليس بمحسوس ليس بموجود ؛ ثمّ بنوا عليها عدم مشاهدتهم لحدوث شيء ولا انقضاءه . وذلك لزعمهم أنّ المتغيّر من الأشياء هو الافتراق والاجتماع والحركة والسكون ؛ وأنّ الموادّ محفوظة لم تزل ولا تزال .
وصورة « الدفع » مع تسليم قضيّة « الوضع » - وإلّا فهي باطلة بما أبطلها أهل العلم في كتبهم - هي أنّكم ادّعيتم أنّكم تحكمون بما تشاهدونه ؛ فهل شاهدتم أزليّة الأشياء وأبدّيتها أو لم تشاهدوهما ؟ فالقول الأوّل هذر باطل من القول ؛ وكذّبكم أهل العالم الذين كانوا قبل أن توجدوا أنتم بل كذّبتكم أنفسكم ؛ مع أنّ الأبد لم يتحقّق بعد ؛ وإن لم تشاهدوا الأزليّة والأبدية للأشياء فقد صرتم أنتم مع من قال بحدوث الأشياء وانقضائها سواء ؛ وهو أيضا لم ير قدمها ولا بقاءها فهو يعارضكم بأنّا لم نجد للأشياء قدما ولا بقاء فحكمنا بالحدوث والانقضاء ، فلا بد لكم من بيان التفرقة أو الترجيح والأولويّة ، والتفرقة لا يجوز لابتناء القولين على مقدّمة الوضع التي هي من المسلّمات
هامش
( 1 ) . وهي مخطوط .
( 2 ) . الاحتجاج ، ج 1 ، ص 25 .