المحسن في ضياء وفسحة ، وروح المسئ في ضيق وظلمة - والبدن يصير ترابا كما منه خلق . وما تقذف به السباع والهوامّ من أجوافها مما أكلته ومزقته ، كلّ ذلك في التّراب محفوظ عند من لا يعزب عنه مثقال ذرّة في ظلمات الأرض ويعلم عدد الأشياء ووزنها وأنّ تراب الروحانيين بمنزلة الذهب فإذا كان حين البعث مطرت الأرض مطر النشور فتربوا الأرض ثمّ تمخض مخض السقّاء فيصير تراب البشر كمصير « 1 » الذهب من التراب إذا غسل بالماء ، والزبد من اللّبن إذا مخض ، فيجتمع تراب كلّ قالب إلى قالبه ، فينتقل بإذن اللّه القادر إلى حيث الروح ، فتعود الصور بإذن المصوّر كهيئتها ، وتلج الروح فيها ؛ فإذا استوى لا ينكر من نفسه شيئا » - الخبر
أقول : من عرف هذا الخبر عرف حقيقة الحشر الجسماني وأنّه الحق الواقع من دون تأويل . وإنّما أوردناه في هذا المقام لما فيه من تفسير قوله تعالى حسبما نقلناه من سورة يس :
وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ
فإنّ قوله عليه السّلام : « كلّ ذلك في التراب محفوظ » إلى آخره ، إنّ تفّرق الأجزاء في الأطراف وفي أبدان الحيوانات لا ينافي اجتماعها في حفظ اللّه تعالى فإنّها محفوظة مجتمعة عنده عزّ شأنه بناء على أنّ الكثرة الانفصاليّة للأجزاء لا تضرّ بالوحدة الشخصيّة على ما برهنّا عليه في مظانّه ، وأنّ الانفصال المناقض للاتّصال الذاتي للجسم لا يعرضه أبدا ، وإلّا لكان الشيء قابلا لنقيضه أو يلزم لذاته شيئا ويقبل نقيضه وكلاهما لا يمكن . فدليل الفصل والوصل أوهن من بيت العنكبوت .
ثمّ إنّ قوله عليه السلام « وإنّ تراب الرّوحانييّن » أي التراب الذي هو أصل طينة الجسد من الجسم الذي ظهر فيه الرّوح بكماله وتصرّف فيه ، بمنزلة الذهب الذي اتّسخ بالكدورات والكثائف وصدأ بمصاحبة الأدناس والأوساخ ؛ فالتمطير من سماء الملكوت على فلك التراب كتغسيل الذهب وتخليصه من الصدء وتسبيكه بالخلائق . وهذا التراب الذي هو كالذهب عندنا - على ما ظهر لنا من أنوار الأئمة الطاهرة وساقنا إليه البراهين القاطعة - هي الجسميّة النوريّة الصافية التي من عالم
هامش
( 1 ) . كمصير : كبصر ج .