المقام الأوّل : فيما يتعلّق بقوله تعالى : وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ
قيل : قد بيّن اللّه تعالى في هذه الآية وما قبلها ثلاث صناعات من الصناعات الميزانية :
فقوله عزّ شأنه :
ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ
« 1 » أي بالمقالة المحكمة الصحيحة الموضحة للحقّ المزيحة للشّبهة . وهي إشارة إلى صناعة البرهان وهو للخواص .
وقوله جلّ مجده :
وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ
أي الخطابات المقنعة والعبر النّافعة التي لا يخفى عليهم أنّك تناصحهم وتنفعهم بها . وهو إشارة إلى صنعة الخطابة وهي لجمهور « 2 » العوام والمستفيدين .
وقوله :
وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ
أي بالتي هي على أحسن طرق المجادلة إشارة إلى صناعة الجدل . وذلك للمعاندين والجاحدين .
ثمّ إنّ في صدر ذلك الخبر الذي نحن بصدد شرحه ذكر مولانا الصادق عليه السلام معنى النحوين من الجدل فقال « 3 » : « أمّا الجدل بغير التي هي أحسن فأن تجادل مبطلا فيورد عليك باطلا فلا تردّه « 4 » بحجّة قد نصبها اللّه ، ولكن تجحد قوله أو تجحد حقّا يريد بذلك المبطل أن يعين به باطله ، فتجحد ذلك الحقّ مخافة أن يكون له عليك فيه حجّة لأنّك لا تدري كيف المخلص منه ، فذلك حرام على شيعتنا » .
ثمّ قال عليه السّلام « 5 » : « وأمّا الجدال بالتي هي أحسن فهو ما أمر اللّه تعالى به نبيّه محمّدا صلّى اللّه عليه وآله أن يجادل به من جحد البعث بعد الموت وإحياءه « 6 » له فقال اللّه تعالى حاكيا عنه :
وَضَرَبَ لَنا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ
فقال اللّه تعالى في الردّ عليه :
قُلْ
يا محمّد
يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ ناراً
« 7 » إلى آخر السورة .
هامش
( 1 ) . بالحكمة : والموعظة ج .
( 2 ) . لجمهور : الجمهور ج .
( 3 ) . الاحتجاج ، ج 1 ، ص 21 .
( 4 ) . فلا تردّه : فلا ترد ج .
( 5 ) . نفس المصدر .
( 6 ) . إحياءه : إحياءوه م .
( 7 ) . يس : 78 - 80 .