العرفانيّة لكنّي بعون اللّه تعالى وفضله أخوض في هذا البحر الذّخار وأغوص في ذلك التّيار « 1 » عسى اللّه أن يرزقني جوهرا درّيا كالشّمس المضيئة في رابعة النهار فأقول وأتوكّل على اللّه الذي هو لكل خير مأمول :
قد ثبت في الأخبار عند أولي الأبصار أنّ نور الشمس مستفاد من العرش بعين ما استفاد نور القمر من الشمس ، فنور القمر مستفاد من العرش أيضا لكن بتوسط الشمس ومعنى ذلك أنّ العرش لمّا كان عبارة عن ملكوت هذه الأجسام من وجه ، وعالم الملكوت وإن كان جسما لكنّه نور كلّه لأنّه نفس حقيقة الجسميّة الخالصة عن الشوائب الجسمانيّة الصافية لقربها من حضرة النفوس القدسيّة من وجه ، ومن الأفق العقليّة من وجه ، ولا ريب في أنّ الباطن له التسلط على الظاهر ، وأنّ الفيض يأتي من الباطن إلى الظّاهر ، والملك يتقوّم بالملكوت ، والشّهادة إنّما وجدت عن الغيب . ومن المستقر في المشارب العرفانية أنّ العرش إنّما خلق من نور النبي والوصي صلوات اللّه عليهما وآلهما ومعنى ذلك أنّ عالم الملك والملكوت إنّما صدر عن النفس الكلية الإلهية المختصة بهما ، فظهر « 2 » من ذلك أنّ لهما السلطنة الكبرى والخلافة العظمى من اللّه على العوالم العلويّة والسّفليّة ؛ فالوليّ الحقّ يدبّر أمر الأرض والسّماء بإذن خالقهما وإنّما النفوس الكليّة والجزئيّة الموكلّة على التحريكات والتدبيرات تدبّر بأمر المولى وتفيض قوّته عليها كما تصل قوّة الفلك الأعلى إلى سائر الأجرام والقوى .
فكلّما أراد الولي الحق والخليفة المطلق فهو ما يظهره تلك المحرّكات إلى الوجود لأنّ إرادته إنّما هي من اللّه لا من نفسه وربما كانت تلك الإرادة حتما مقضيّا أو بطريق ليتما ولعلّما ومن مقولة الارتضاء . فلمّا خطر بباله لعلّه لم تغرب الشمس حتى صليت العصر ، ردّت الشمس في مكانه على الفور « 3 » لأنّ تعيّنات حدود الحركات آنا فآنا واختلافات جهات الحركة شرقا وغربا إنّما هي بالإرادة الكلية وهي مستهلكة في إرادة المولى كما عرفت مستأمرة منها متسبّبة عنها .
هامش
( 1 ) . التيار : التبار ج .
( 2 ) . فظهر : يظهر ج .
( 3 ) . الفور : القول ج .