وجوده ، إذ لا تعرضه القبليّة والبعديّة الزمانيّة . وهذا الحكم من الأحكام العقليّة المطابقة للواقع ونفس الأمر . ومن البيّن أنّ كلّ ما يحكم بوجوده وحدوثه في آن من الآنات فهو آن عدمه أيضا ، لإمكانه الذاتي « 1 » ، لأنّ الجاعل إنّما يجعل لا من شيء وتحصيل الحاصل محال شنيع .
وما قيل : هو تحصيل الحاصل بنفس ذلك التحصيل ، لا حاصل له إذ الحكم بالحدوث في آن مثلا يلزمه العدم ، وإذ ليس قبل آن الحدوث لاستحالة تتالي الآنات فمن الاضطرار يكون في آن الحدوث .
ولمّا كان هذا الحكم يصدق في الواقع في كلّ آن ففي آن واحد إعدام وإيجاد فهي أي الأمور الإبداعية يصدق عليها في كلّ آن أنّها حدثت بعد ما لم تكن ، وإذ لا عدم يتقدّمها فهو في الآن الذي فرض وجودها ، وهذا العدم عدم آنّي ، كما أنّ حدوثه كذلك ، فليس هو العدم الذاتي للممكن في استمرار وجوده وبقائه ؛ فليتفطّن !
وأمّا سرّ ذلك فقد عرفت أنّ هذا العدم ليس هو العدم الذاتي الثابت للممكن أزلا وأبدا ، فلا بدّ له من علّة بالضرورة ، فعلته ليست غير علّة وجوده ، لقيام البرهان على أنّ للعالم برمّة أجزائه علّة واحدة هي مبدأ الكلّ وإله الكلّ . ولمّا كان هو سبحانه بذاته الجامعة لجميع صفات الكمال من سمات الجمال والجلال ويعبّر عنها ب « مرتبة الألوهيّة » إذ في « المرتبة الأحديّة » الذّاتية البسيطة استهلك الكلّ ولا يحكم عليها بحكم أصلا ولا ريب أنّ صفات الكمال على التقابل والتخالف في الآثار ولمّا كان التأثير من الواحد البسيط واحدا ، فلجميع الأسماء من حيث توحّدها تأثير واحد ، لكن الأثر يختلف « 2 » حسب اختلاف جهات المتأثّر ؛ فبهذا الوجه صار الإعدام والإيجاد في آن واحد فالإعدام من الأسماء الجلاليّة ، والإيجاد من الأسماء الجماليّة . ولمّا سبقت الرّحمة الغضب لم يظهر العدم للأكثرين إلّا لبعض عباد اللّه الذين قشعت رياح الرّحمة الرّحمانية اليمانية غشاوة سحب الغفلة عن بصائرهم ، كما هو الظاهر من قوله سبحانه :
هامش
( 1 ) . لإمكانه الذاتي : لإمكان ذاته ج .
( 2 ) . يختلف : مختلف ج .