متعال عن ذلك ؛ ولذا لم يحكم به عليه تعالى كما بينّا .
فوجوده خارج عن درجة إدراك العقول وألباب ذوي الأفكار ، بل ذلك محض إقرار لضرورة حكم البرهان على أنّ للممكن لابدّ من جاعل مخرج « 1 » إيّاه إلى الوجود . وسمّي هذا القدر من المعرفة في أخبار أئمّتنا عليهم السّلام ب « الإيمان الإقراري » كما لا يخفى على من تتبّع الآثار « 2 » .
فقوله عليه السلام : « وجود الإيمان » مرفوع على الابتداء ، خبره قوله : « لا وجود صفة » بالرفع . وإنّما قلنا ذلك مع أنّه لا حاجة كثيرة « 3 » إلى ذلك لما رأينا من صاحب بحار الأنوار « 4 » ما لا يقبله الطباع والأفهام بل لا يرضى به الإمام عليه السّلام ، فإنّه قرء كلا « الوجودين » بالنصب ، أوّلهما للعطف على « الإيمان » ، وثانيهما للعطف على « يصيب » بتقدير فعل مثله منفي ب « لا » « 5 » ومن ذلك يقضي اللبيب منه العجب العجيب .
ثمّ إنّه عليه السلام بيّن تعاليه عن هذه الصفة وعن سائر الصفات وأنّ كماله سبحانه بذاته التي بها تصير الصفة صفة والذوات ذواتا فقال عليه السلام : « به » أي باللّه « توصف الصفات » أي تصير صفاتا لأنّه جلّ شأنه جاعل الذوات والصفات جعلا بسيطا « لا بها يوصف » أي لا هو سبحانه بتلك الصفات يوصف فتجعله ذا صفة وذا كمالات ، بل كماله بذاته المقدسة التي هي مصدر كلّ صفة كماليّة ومرجع جميع المحامد الإلهيّة وإنّما هي أشعّة أنوار جماله وأظلّة عكوس جلاله ، وكذا كلّ شيء يتعلّق به المعرفة من أيّ عارف كانت فهو باللّه صار معروفا . وقد حققّنا ذلك في شرح الخبر المشهور « 6 » : « اعرفوا اللّه باللّه » « 7 » وبّينّا أنّ المعرفة باللّه وبمخلوقاته إنّما هو
هامش
( 1 ) . مخرج : فخرج ج .
( 2 ) . إشارة إلى ما استفاده من قول الإمام الصادق عليه السلام في القول بالصفات الإقرارية - كما في توحيد المفضل ، ص 118 - عند قوله عليه السلام : « كل هذه صفات إقرار وليست صفات إحاطة » واصطلح الشارح على هذا القول « الإيمان الإقراري » .
( 3 ) . كثيرة : كثير م .
( 4 ) . بحار ، ج 4 ، ص 302 .
( 5 ) . لا : + وأخرج م .
( 6 ) . راجع هذا الكتاب في شرح الحديث الحادي عشر .
( 7 ) . الكافي ، ج 1 ، باب أنّه لا يعرف إلّا به ، ص 85 .