تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح الاربعين — صفحة 412

مساهمون:

ص٤١٢
بعد ذلك بالبراهين « 1 » القاطعة يظهر له أنّه « 2 » يمتنع الوصول إلى إدراكه تعالى بوجه من الوجوه سوى ما ظهر له أوّلا أنّ للوجود مبدءا مبائنا لقاطبة الوجودات والموجودات . وبالجملة ، يمتنع إدراكه تعالى بالعلم الانطباعي وبالعلم الحضوري الإشراقي ، لأنّه لمّا لم يكن له سبحانه وجه ولا حيثيّة سوى حيثيّة ذاته الأحديّة الصّرفة البسيطة فلو تعلّق به العلم على الإطلاق لكان متعلّقا بذاته جلّ قدسه . وما حضر عند العالم - سواء كان صورة ذهنيّة أو موجودا عينيّا - لابدّ وأن يكون بينه وبين العالم علاقة وجوديّة ونسبة خاصّة وارتباط مخصوص يصحّح العلم المطلق . وذلك الربط ليس يمكن إلّا بأن يكون وجود المعلوم حيث فرض أنّه الذات البسيطة الأحديّة هي وجودها للعالم ، وإلّا لتكثّرت جهاته وذلك مستحيل على اللّه تعالى ، إذ العلاقة المتصوّرة بين الممكن وذات البارئ تعالى ليست إلّا علاقة المعلوليّة ؛ ولا ريب أنّها علاقة ضعيفة لا يوجب حصوله تعالى للممكن فإنّ وجود المعلول من حيث إنّه معلول هو بعينه وجوده لعلّته ، أمّا وجود العلّة فليس كذلك ولا مستلزم لذلك . كذا قيل . قوله عليه السّلام : « قربه كرامته وبعده إهانته » ردّ لما يتوهّم من كون العبد قريبا من اللّه أو بعيدا منه تعالى أن يكون بالمسافة كما للحسيّات بعضها إلى بعض ، أو بحسب المرتبة كما للعقليّات ؛ فقربه عزّ شأنه من جهة خاصّة رحمته وكرامته لأهل السعادات . فإضافة القرب إلى الضمير من إضافة المصدر إلى المفعول . وكذا بعده من أهل معصيته إهانته لهم وخذلانه إيّاهم . وأمّا قرب اللّه من العبد فقد دريت أنّه لا يختصّ بشيء دون شيء ولا تفاوت فيه بالشدّة والضعف والأولويّة وغيرها فهو قريب في بعده وبعيد في قربه . فمن قربه ورد : « لو دلّيتم إلى الأرض السّفليّ لهبط على اللّه » « 3 » ومن بعده قيل : « ما للتراب وربّ الأرباب » .
هامش
( 1 ) . بالبراهين : البراهين ج . ( 2 ) . انّه : أن ج . ( 3 ) . جامع الأسرار للآملي ، ص 84 و 96 وفيه أيضا : « لو أدليتم . . . » وفي بعض المنابع : « لو أدلى أحدكم . . . » كما في عرش الرحمن لابن تيمية ، مطبعة المنار بالقاهرة ، ص 24 .
شرح الاربعين — صفحة 412 | القاضي سعيد القمي / نجفقلى حبيبى