وقد يطلق « الجبروت » على ما فوق مرتبة « الملكوت » ومرجعه أيضا إلى ما ذكر من أنّه مرتبة الألوهيّة ، كما الملكوت لعالم الربوبيّة . وفيهما استعمالات أخر كما لا يخفى على المتتبّع .
وبالجملة ، فاستخلاص الوحدانيّة ردّ على من زعم التكثّر في الذّات باعتبار عينيّة الصّفات وتخالف المفهومات واختلاف الحيثيّات والجهات على ما زعموا . واستخلاص الجبروت دفع لما يتوهّم بل يلزم من تلك الآراء من مشاركة الخلق له تعالى في مصداقيّة تلك المعاني ؛ وإن كان المصداق هنا هي الذّات بذاتها وفي غيرها غيرها .
وقوله عليه السّلام : « أمضى المشيّة » إلى قوله : « بما هو كائن » حيث عدّى « الإمضاء » بالباء أعطى أنّ المراد بذلك أنّه تعالى أظهر هذه الصّفات الكماليّة في الأشياء الكائنة عنه سبحانه بأن جعلها مظاهر لتلك الكمالات ومجالي لهذه الصّفات وهذا أحد معاني إثبات الصفات مع إبطال العينيّة والزيادة ، كما روى عن الصادقين من أهل بيت العصمة صلوات اللّه عليهم « 1 » : « هل هو عالم قادر إلّا أنّه وهب العلم للعلماء والقدرة للقادرين » ؛ فتبصّر !
وإن جعلت الباء بمعنى « في » فالمعنى جعل ما هو كائن على وفق المشيّة وأخواتها فيكون معنى آخر لما قلنا قريبا من الأوّل وهو أنّ كونه تعالى عالما قادرا شائيا مريدا هو أنّه خلق الأشياء بحيث إذا نظر إليها بالعقل السالم من الشبه والتسويلات علم بالاضطرار أنّها ظهرت من علم وقدرة ومشيّة وإرادة وغير ذلك من الصّفات الكماليّة ؛ وبذلك خرجت إلى الوجود وظهرت في مرتبة الشهود . وهذا معنى دقيق شريف لإثبات الصفات ونفي ما يقولون من التمويهات وهذا مراد من قال : « التّوحيد نفي الصّفات وإثبات المثمرات » وهذا المعنى أيضا يظهر من مطاوي أخبار أهل البيت عليهم السّلام في مواطن كثيرة لمن تتّبع آثارهم على بصيرة وترك تقليد الآباء في سلوك طريق المعرفة .
هامش
( 1 ) . شرح مسألة العلم للخواجه نصير الدين الطوسي ، ص 43 ؛ جامع الأسرار للآملي ، ص 142 .