الطّرف الثّالث
الحقّ في بيان فتنة داود عليه السّلام هو ما ورد في الأخبار المعتبرة عن أهل بيت العلم والحكمة عليهم السّلام وهو أنّه لمّا جعله اللّه خليفة في الأرض ، وألان له الحديد ، وسخرّ له الطير ، وآتاه الملك العظيم ، وغير ذلك قال عليه السّلام في نفسه :
إنّ اللّه أعطاني ما لم يؤت أحدا من النّاس أجمعين وفضّلني على العالمين وأنا أحكم بالحقّ والعدل من جملة الحاكمين . ففتنه اللّه بإرسال الخصمين فحكم بالظلم من دون أن يسأل البيّنة من المدّعي ومن غير أن يقبل على « 1 » المدّعى عليه ويسمع جوابه كما نصّ « 2 » اللّه في كتابه ، فحكى قول أحد الخصمين بأنّ
هذا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ واحِدَةٌ فَقالَ أَكْفِلْنِيها وَعَزَّنِي فِي الْخِطابِ
« 3 » فقال داود عليه السّلام من دون سؤال البيّنة والإقبال على الخصم الآخر :
لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤالِ نَعْجَتِكَ إِلى نِعاجِهِ
« 4 » فهذا هو الافتتان الذي وقع على داود عليه السّلام فأيقن حينئذ أنّه أخطأ ، وأنّ اللّه افتتنه بما علم من خاطره فخرّ راكعا وأناب .
وأمّا ما قيل « 5 » من أنّ خطيئته عليه السّلام هو أنّه كان يوما في الصلاة إذ رأى طيرا فقطع الصلاة وأقبل يذهب في عقب الطير إلى أن علا سطح داره المشرف على دار « أوريا » وذهب إلى دار أوريا وكانت امرأة « أوريا » عريانة في مغتسلها فرآها فأعجبها « 6 » . وكان « أوريا » في غزوة مع جيش داود . فكتب داود عليه السّلام إلى صاحب الجيش أن يجعل أوريا في مقدّم تابوت السكينة وعندهم أنّ من تقدّم التابوت يقتل ؛ ففعل صاحب الجيش بأوريا إلى أن قتل في المرّة الثّانية ؛ ثمّ تزوّج داود عليه السّلام بامرأته ؛ ففي أخبار أهل البيت عليهم السّلام أنّ ذلك فرية بلا مرية ، وحاشا نبيّ اللّه العظيم الشّأن من قطع الإقبال على اللّه إلى طلب الطّير وارتكاب
هامش
( 1 ) . على : من ن .
( 2 ) . نص : نطق ن ؛ قال نسخة بدل م .
( 3 ) . ص : 23 .
( 4 ) . ص : 24 .
( 5 ) . وقريب منه ما نقله صاحب التفسير القمي في تفسيره . وقال المجلسي في البحار ، ج 14 ، ص 23 بعد نقل ما جاء في تفسير القمي : « اعلم أنّ هذا الخبر محمول على التقية لموافقته لما روته العامة في ذلك » .
( 6 ) . فأعجبها : - ن .