الطرف الأوّل في بيان قوله : « إنّ داود داوى جرحه بودّ » وقوله : « وأنت يا سليمان أرجو أن تلحق بأبيك »
اعلم أنّ هذا الكلام تفصيل ما انطوى في لفظة « 1 » « داود » فهو مرخّم هذه العبارة ؛ ومن ذلك يستصحّ أنّ « الأسماء تنزل من السماء » فحذف المفعول ثمّ حذف الجار وأوصل الفعل ثمّ ليّنت الألف وخفّفت « 2 » الحركات فصار « داود » وتلك الألف المحذوقة المستترة في « داود » هي التي ظهرت في سليمان كما سيأتي لأنّ « الولد حامل سرّ أبيه » .
ثمّ معنى هذه العبارة بعد ما تقرّر في الأذهان أنّ « الجرح » بالضّمّ اسم من « الاجتراح » ك « الغنم » من « الاغتنام » ويحتمل كونه من « الجراحة » أي جراحة القلب من ظنّ الافتتان ، كما في قوله تعالى :
وَظَنَّ داوُدُ أَنَّما فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ راكِعاً
« 3 »
وَأَنابَ
« 4 » هو أنّه عليه السّلام لمّا ظنّ ذلك من محاكمة الخصمين داوى ذلك الاجتراح بالرّكوع والإنابة وهما من أصول علامات الوداد والمحبّة ؛ لأنّ الركوع عبارة عن الصلاة وهي معراج المحبّين وغاية مرتبة مناجاة العاشقين ، ثم بالإنابة التي هي الانقطاع الكليّ من الخلق والاتصال بالكليّة إلى اللّه المستعان واختيار الحقّ على البطلان والضلال .
ثمّ قوله : « وأنت يا سليمان » فالوجه فيه أنّ « سليمان » مركّب من « سليم » المصغّر مزيدا فيه الألف والنون . وهذا التصغير للتقريب فسليم معناه القريب من السلامة والألف والنون الزائدتان في اصطلاح اللسان هما في مصطلح أهل العرفان لمعان مناسبة للمقامات التي زيدت فيها في الوضع الأصلي ، لأنّ وضع الألفاظ وضع معقول قد روعي فيه حقائق أصليّة ولا يفهم كيفيّة ذلك إلّا أهل المعرفة باللّه ؛ فكلمة « ان » في وضع هذا الاسم هي « أن » الداخلة على الفعل المضارع فحذف وأقيمت كلمة « ان » مقامه .
هامش
( 1 ) . لفظة : لفظ ج ن .
( 2 ) . خففت : حفضت ن .
( 3 ) . وخرّ راكعا : - ن .
( 4 ) . ص : 24 .