من المتكلّمين وأرباب الإشراق ومحقّقي الصّوفيّة والمشّائين لم يخلصوا في مسائلهم الإلهيّة عن وصفه تعالى بأوصاف المخلوقين واشتراكه سبحانه معهم في أكثر ما يصفونه به ، وإدخاله عزّ شأنه تحت مفهومات هي متصوّرات عقولهم وأوهامهم ومخلوقات نفوسهم وأفهامهم وإلى هذا الاستلزام أشار الإمام عليه السّلام بقوله : « فلو كان « 1 » خلق ما خلق لحاجة منه لجاز لقائل أن يقول : يتحوّل إلى ما خلق لحاجة إلى ذلك » أي لو كان إيجاده للخلق لأجل حاجة منه تعالى إلى ذلك - أيّة حاجة كانت - لكان فاقدا لذلك قبل الخلق واجدا إيّاه بالخلق ، فيلزم النّقص « 2 » والإمكان .
وهذه المسألة أي استلزام الحاجة للتّحوّل والتّغيّر قد حققّنا على الوجه البرهانيّ من أنّه سبحانه لم يتغيّر بسبب إيجاده الخلق حتّى عن الوحشة إلى الأنس ، إذ الكلّ بالنّظر إليه مستهلك فان أزلا وأبدا ، وهو سبحانه كان على ما كان لم يزل ولا يزال . وفهم ذلك عسير على أكثر أهل العلم . واللّه يهدى من يشاء إلى صراط مستقيم .
لا يقال : قوله عليه السّلام : « ولكنّه عزّ وجلّ لم يخلق شيئا لحاجة » استثناء نقيض المقدّم وذلك غير منتج .
لأنّا نقول : أوّلا إنّ ذلك من حذف المقدمة الاستثنائيّة وإقامة النتيجة مقامها مصدّرة ب « لكن » لظهور المراد .
وثانيا ، بأنّ وضع المقدّم ينتج إذا كان الملزوم والّلازم متساويين لكن ذلك غير كليّ « 3 » لإمكان عموم اللّازم مع أنّ ذلك محلّ كلام .
ثمّ قال عليه السّلام : « ولم يزل ثابتا لا في شيء » أي قائما بذاته من دون أن يحتاج إلى شيء يكون فيه ولا على شيء ، ولا أن يحتاج إلى شيء يعتمد عليه ويمسكه ذلك الشيء ، كما أنّ الخلق يمسك بعضه بعضا ، ويدخل في بعض ويخرج منه ، ويعتمد عليه ، واللّه هو الممسك للخلق كلّه ، وليس بداخل في شيء ولا خارج من شيء ، فهو « مع كل شيء لا بمقارنة وغير كلّ شئ لا بمزائلة » « 4 » ولا ينتقل عليه إمساك الخلق ولا يعجز عن
هامش
( 1 ) . كان : - ن .
( 2 ) . النقص : النقض ج .
( 3 ) . كلي : كل ج .
( 4 ) . نهج البلاغة ، الخطبة الأولى ، ص 40 .