إمساكه ؛ لأنّ أمره كلمح البصر أو هو أقرب . إذا شاء شيئا فإنّما يقول له « 1 » : « كن فيكون » بمحض المشيّة والإرادة فكيف يتحقّق العجز .
ثمّ إنّه عليه السّلام لمّا قال أوّلا إنّ هذه المسائل من أغمض ما يرد على أهل العلم ذكر هاهنا أنّ علم ذلك عند أهل سرّه من الرّسل المكرّمين والمستحفظين لأمره ؛ حيث جعلهم اللّه حفظة العلم وخزّانه « 2 » القائمين بأمره من الأئمة المعصومين صلوات اللّه عليهم أجمعين .
قوله عليه السّلام : « وليس شيء من خلقه أقرب إليه من شيء ولا أبعد منه من « 3 » شيء » تأكيد لنفي هذه الصفات الممتنعة عليه تعالى ، وتحقيق شريف لدفع ما يتوهّم من تكرار بيان أوّل الصّوادر من أنّه لمّا كان أوّلا في الصّدور كان أقرب إليه من الحقائق الّتي بعده :
أمّا الأوّل ، فلأنّه إذا ثبت - كما سنذكره - أنّه جلّ شأنه استوى من كلّ شيء كما ورد في الأخبار في تفسير قوله عزّ من قائل :
ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ
تكون نسبته ومنظره سبحانه في القرب والبعد سواء « 4 » ؛ فلم يبعد عنه بعيد ولم يقرب منه قريب .
وأمّا الثّاني ، فلأنّ القرب والبعد إنّما هو في الأشياء الّتي لها ترتيب بأن يكون لواحد منها رتبة في أمر من الأمور أو مرتبة من مراتب « 5 » الشّهود ؛ ويكون لبعضها حظّ من تلك المرتبة لكن ليس بتلك المرتبة بل يكون قريبا منه على مراتب القرب إلى أن انتهت إلى البعد الأبعد وإلى ما لا أبعد منه وقد حقّقنا غير مرّة بأنّه سبحانه مبائن لجميع ما سواه من جميع الجهات ولا اشتراك له تعالى مع غيره في صفة من الصفات ، وليس له مرتبة من هذا الوجود حتّى ينتهي إلى حدّ من حدود خلقه في رتبة « 6 » الشّهود بل هو المحيط بجميع الأشياء ، ولا يعزب عنه مثقال ذرّة في الأرض ولا
هامش
( 1 ) . له : - ن .
( 2 ) . خزّانه : خزانة ج .
( 3 ) . من : عن ن .
( 4 ) . التوحيد ، باب معنى قول الله عزّ وجل : الرحمن على العرش استوى ، ص 315 - 317 .
( 5 ) . مراتب : المراتب ج ؛ لمرتبة ن .
( 6 ) . رتبة : مرتبة ن .