أن تكون مثل وحدانيّة المبدع وإلّا كان المبدع والمبدع والعلّة والمعلول شيئا واحدا ؛ وإذا كانا واحدا كان المبدع مبتدعا والمبتدع مبدعا وهو محال . فلمّا كان هذا محالا لم يكن بدّ من أن يكون في وحدانيته كثرة إذ صار بعد الواحد الّذي هو واحد من جميع الجهات . وذلك أنّه لمّا كان الواحد المبتدع بعد الواحد المبدع لم يكن أن يكون فوق الواحد المبدع في الوحدانيّة ولا أن يكون أشدّ وحدانيّة منه ، بل كان من الواجب أن يكون في الوحدانيّة أنقص من الواحد المبدع . وإذا كان الباريء - الّذي هو أفضل الأفضلين - واحدا كان من الواجب أن يكون المفضول عليه أكثر من واحد لئلّا يكون مثل الواحد « 1 » سواء . فإن كان ليس من الواجب أن يكون المفضول عليه واحدا فلا محالة أنّه كثير لأنّ الكثير خلاف الواحد وذلك أنّ الواحد هو التامّ والكثير هو النّاقص . وإن كان المفضول عليه في حيّز الكثرة فلا أقلّ من أن يكون اثنين ؛ وكلّ واحد من ذينك الاثنين يتكثّر على ما وصفنا . وقد يوجد للإثنين الأوّلين حركة وسكون ، وفيهما عقل وحياة ، غير أنّ ذلك العقل ليس هو كعقل واحد منفرد لكنّه عقل فيه جميع العقول « 2 » فهو كثير على قدر كثرة العقول وأكثر منها . والنفس التي هناك ليست « 3 » كأنّها نفس واحدة منفردة لكنّها كانت النفوس كلّها فيها . وفيها قوة أن تفعل النفوس كلّها لأنّها حياة تامّة . فإن كان هذا هكذا وكانت النفس الحيّة الناطقة واحدة من الأنفس فلا محالة إنّها « 4 » هناك أيضا ؛ فإن كانت هناك فالإنسان هناك أيضا ، إلّا أنّه هناك صورة بغير هيولى ؛ فقد بان أنّه لم يكن العالم الأعلى ذا صور كثيرة وإن كانت صور الحيوان كلّها فيه » - انتهى . وفيه فوائد كثيرة لمن عقل ؛ فلا تغفل .
ثمّ إنّه عليه السّلام وصف الخلقين في الصّادر الأوّل بأنّه « لا لون ولا وزن ولا ذوق لهما » وذلك تعبير عن تقدّسهما وتجرّدهما لأنّها ممّا توجد في المادّيّات . ثم وصفهما بوصفين آخرين تأكيدا لذلك المدّعى وتوضيحا بحقيقتها « 5 » :
هامش
( 1 ) . الواحد : الفاضل ( اثولوجيا ) .
( 2 ) . جميع العقول : + وكلها منه وكل واحد من العقول ن .
( 3 ) . ليست : ليس ج .
( 4 ) . إنّها : إنّه م .
( 5 ) . بحقيقتها : لحقيقتهما ج ن .