الشّارق السّادس فيما يتعلّق بقوله عليه السّلام : « واعلم أنّ الواحد » إلى آخره
هذا الكلام لدفع ما يتوهّم من تحقيق الإبداع من أنّه واحد حقيقيّ صدر عن الواحد الحقّ كما أنّه ساكن كما هو كذلك ، وبيان لانحصار الوحدة الحقيقيّة « 1 » البسيطة في الواحد الحقّ تعالى وأنّ كلّ ما سواه فهو زوج تركيبيّ - كما سنبيّنه من كلامه عليه السّلام - فذكر أوّلا أنّ الواحد الحقّ هو القائم بذاته ، القيّوم لما سواه ، من دون أن يكون لوجوده قدر أو حدّ ، بل هو فوق غير المتناهي بغير المتناهي . وقد دريت أنّ التّقدير والتحديد من لوازم الخلق فلا يوجد في الخالق .
وأمّا الخلق الأوّل وإن كان في نهاية البساطة فهو لمّا كان ذا قدر ومرتبة من الوجود وذا حدّ من درجة الشّهود فمن الاضطرار أن يكون فيه تركيب بالذات :
أحدهما ما يقع فيه تقدير وجوده وتحديد مرتبته وهو هناك أي في الصادر الأوّل - حسب ما ظهر من الأخبار النبويّة - هو « النفس الرحماني » المعبّر عنه ب « العماء » وفي مصطلح إثولوجيا ب « الهويّة العقليّة » وهو أحد قوسي الألوهيّة ويقال له « المادّة العقليّة » و « الجوهر الهبائي » .
وثانيهما المقدّر المحدود وهو الّذي تعيّن به الجوهر العقلي فصار عقلا ، حيث نظر إلى بارئه فامتلأ نورا وعبّر عنه في مفهوم الخبر برجوع النفس الرّحمانيّ حيث ظهر في كمونة وبطونه من استدعاء ظهور الأسماء بآثارها في الأعيان وهو ثاني قوسي دائرة الواحدية ويسمّى عند قوم ب « القوس الإمكانىّ » . ولعلّ هذا هو معنى قوله عليه السّلام : « وكان الّذي خلق خلقين اثنين : التّقدير والمقدّر » .
قال في إثولوجيا « 2 » : « إنّ الباريء الأوّل تعالى واحد فقط من « 3 » جميع الجهات وأنّ ذاته ذات مبدعة كما قلنا مرارا وأبدع العالم واحدا . ولم يكن من الواجب بوحدانيّة « 4 » المبدع
هامش
( 1 ) . الحقيقيّة : الحقيقة ن .
( 2 ) . افلوطين عند العرب ، إثولوجيا ، الميمر العاشر ، ص 148 .
( 3 ) . من : في ( اثولوجيا ) .
( 4 ) . بوحدانية : لوحدانية ( اثولوجيا ) .