تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح الاربعين — صفحة 332

مساهمون:

ص٣٣٢
سبيل العلم بها فهو أعمى القلب أعمش النفس . ولا ريب أنّ الآخرة هي موطن بروز الحقائق وظهور البواطن وطريق سلوكها إنّما يكون بالعلم والعمل ، وظاهر أنّ العمل فرع العلم فالسلوك موقوف على العلم الذي هو بصيرة القلب ؛ فمن لم يكن له تلك البصيرة لم يمكنه سلوك طريق الآخرة ولا الصعود إلى تلك الذروة فيبقى في الهاوية
وَما أَدْراكَ ما هِيَهْ نارٌ حامِيَةٌ
« 1 » نعوذ باللّه منها . ثمّ إنّه عليه السّلام لمّا ذكر أنّ النجاة وحصول البصيرة القلبيّة ليست إلّا بالعلم ومعرفة حقائق الأشياء ليمكن للسالك سلوك طريق الأبرار إلى دار القرار ، بيّن عليه السّلام حاجة الناس في ذلك إلى الأئمّة الهداة من النّبيّين وأوصيائهم في كلّ عصر وأوان ووجوب الأخذ عنهم واقتفاء آثارهم في كلّ الأزمان ؛ ولذلك لا تخلو الدّنيا من حجّة إمّا ظاهر مشهود أو غائب مستور . بيان ذلك : إنّ الحقائق الأصليّة والجواهر العقليّة هي التي عند اللّه سبحانه كما عرفت سابقا ، وما عندنا هي أشباح وأمثلة لما هناك كما قال عزّ شأنه :
ما عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَما عِنْدَ اللَّهِ باقٍ
« 2 » ولذا قال عليه السلام « 3 » : « وقد علم ذووا الألباب أنّ الاستدلال على ما هناك لا يكون إلّا بما هاهنا » فالواجب على السالك سبيل المعرفة أن يعرف تلك المحاذاة والمماثلة لا محالة ، ولا يمكن ذلك إلّا بأن يعرف ما هناك أي ما عند اللّه من الحقائق المتأصّلة ليقيس ما هاهنا عليه « 4 » ويعرف ما هناك ممّا هاهنا وليس ذلك إلّا شأن من أخذ علمه عن اللّه بلا واسطة بشر وإلّا لزم التسلسل وذلك هو النبيّ والإمام . وظهر من ذلك أنّ النّجاة منحصرة في اتّباع الأنبياء والأوصياء . ومن ذلك قال عليه السّلام : « لأنّ اللّه عزّ وجلّ جعل « 5 » علم ذلك خاصّة عند قوم يعقلون ويعلمون ويفهمون » أي يعقلون عن اللّه تعالى وأنّ أرباب الآراء والأهواء
هامش
( 1 ) . القارعة : 10 - 11 . ( 2 ) . النحل : 96 . ( 3 ) . التوحيد ، ص 438 . ( 4 ) . عليه : إليه ن . ( 5 ) . جعل : - ن .