مقتضى الذات فلا يتخلّف ولا يختلف « 1 » بالمقامات ، وإمّا أن يكون لأمر خارج عن الذّات فيلزم الانفعال بل الاستكمال ، فوجب أن لا يوجد ولا يظهر أبدا لا في الدّنيا ولا في الآخرة .
فلئن قلت : نختار الأوّل ونقول : إنّ مقتضى الذات هو الظّهور لكن العوائق الدّنياويّة والحجب الظّلمانيّة مانعة عن ذلك بخلاف النّشأة الآخرة فإنّها موطن بروز الحقائق ومشهد ظهور الدّقائق .
فنقول : الظاهر بذاته يمتنع اختفاؤه بالضّرورة وإلّا لم يكن ذلك لذاته ، نعم لو خفي على أحد أو في موطن فإنّما ذلك لشيء عرض هذا الجاهل « 2 » ، لا في ذلك الظاهر بذاته فافهم ، ولوجوه أخر ليس هنا محلّ ذكرها : من كون الاحتجاب « 3 » يلزمه الإحاطة أو المحاذاة والمقابلة وغير ذلك ممّا يوجب التشبيه .
ثمّ إنّه ذكر عليه السّلام الآية بتفسيرها للإرشاد إلى أنّ الزاعم « 4 » في اللّه عزّ شأنه أنّه غير موجود في الدنيا وموجود في الآخرة يلزمه حسب اعتقاده ذلك أن لا يرى ربّه الّذى اعتقده كذلك في الآخرة أيضا بمقتضى تلك الآية الكريمة لأنّ مقتضاها أنّ الذي لم يحصّل معرفة الحقائق الموجودة في دار الدنيا لم يكن له نصيب في الآخرة منها ، لأنّ « الدّنيا مزرعة الآخرة » « 5 » وأنّ كلّ ما فيها فهو من آثار ما هناك ، فلم يكن له سبيل إلى معرفة ذلك الشيء وشهوده . وفي ذلك قال اللّه عزّ وجلّ :
وَمَنْ كانَ فِي هذِهِ أَعْمى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمى وَأَضَلُّ سَبِيلًا
« 6 » وفسّرها عليه السّلام بأنّ من كان في هذه النشأة الدنياويّة جاهلة غير بصيرة بالحقائق الموجودة ولم يحصّل وجه معرفتها ولم يسلك
هامش
( 1 ) . ولا يختلف : - ن .
( 2 ) . عرض هذا الجاهل : وعرض هذا الكاهل ن .
( 3 ) . لا في ذلك . . . الاحتجاب : - ن .
( 4 ) . الزاعم : النزاع ن .
( 5 ) . نقله المجلسي في البحار ( ج 67 ، ص 225 ) من قائل مجهول وقال : « ولذلك قيل : الدنيا مزرعة الآخرة » ويظهر من كلامه هذا أنّ هذا الكلام ليس بحديث عنده ؛ ومع هذا نقل هو نفسه في البحار ( ج 107 ، ص 109 ) عند ذكر نص إجازة الشيخ الحرّ العاملي ، من جملة مؤلفات الشيهيد الثاني رسالة في حديث « الدنيا مزرعة الآخرة » .
( 6 ) . الإسراء : 72 .