ذلك أنموذجا لمعرفة حقيقة العالم بأنّه شيء كالظلّ مع أنّه لا شيء في الحقيقة ؛ ولذا قال الإمام عليه السّلام : « وللّه المثل الأعلى » فلعلّ نور ظهور النفس إلى الخارج من زاوية الشعاع خرج وانطبق على قاعدة المرئي قدر امتداده ولمّا لم يمكنه النفوذ انعطف معترضا ممتدا ، فوقع على شخصه الذي كانّه خرج من جليديته « 1 » ، وانطبق عليه ، فيراه كما هو الواقع ، فصدق أنّه رأى شخصه مع أنّه لا يراه مثل ما نظر هو إلى نفسه « 2 » من غير توسّط المرآة ؛ فتبصّر !
تحقيق نورانيّ
إذا دريت ما حققّنا لك في مطاوي ذلك البيان فاعلم أنّه عليه السّلام بيّن للسائل في ذكر هذا المثل كون العالم لا شيئا محضا مع أنّه يرى شيئا ؛ فعلى طريقة أكثر المحقّقين من أهل التوحيد فالعدم بمنزلة المرآة ، والعالم هو الصورة ، والإنسان عين تلك الصورة ، فهو عين الأعيان ، وفي ذلك قال قائلهم بالفارسية :
عدم آيينه ، عالم عكس وانسان * چو چشم عكس وروى شخص پنهان
وأمّا ما يظهر من جلّ الأخبار الواردة في هذا المقام من قول النبيّ صلّى اللّه عليه وآله « 3 » : « كان اللّه في عماء ما فوقه هواء ولا تحته هواء » وهو المراد بالنفس الرحماني ، وهو شيء مع أنّه ليس بشيء ، كالأمر « 4 » في ظلّ الشخص ، فإنّ الإنسان إذا تنفّس يتوهّم أنّه قد خرج من القلب بخار يمتدّ في الخارج وليس في الخارج إلّا الهواء المجاور للفم وفيما نحن فيه ليس كذلك « 5 » ولذا قال صلّى اللّه عليه وآله : « ما فوقه هواء ولا تحته هواء » « 6 » فالحكم بأنّه شيء لأنّه كالمادّة لجميع حقائق العالم - مجرّداتها وماديّاتها - فكذلك « 7 » النّفس ، عندنا هي المرآة ، والعالم هو الصورة ، بمقتضى « أحببت أن أعرف » لأنّه لمّا شاء سبحانه أن يرى ما أحبّه ممّا اكتنز في خفايا غيب غيبه من الكمالات التي
هامش
( 1 ) . جليديته : جليدته ن .
( 2 ) . نفسه : - ن
( 3 ) . سنن ابن ماجة ، ص 288 .
( 4 ) . كالأمر : كما لأمر ع .
( 5 ) . كذلك : ذلك ن ج .
( 6 ) . هواء : - ع .
( 7 ) . فكذلك : فلذلك ن ؛ فذلك ج .