وثالثها البصر ، وفعلها الإبصار ولا يبصر نفسه .
وعندي : إنّ غرض السائل في تلك المرتبة الأخيرة من سؤال التّغيّر هو ما يتوهّم الجمهور من أنّه لابدّ في الإيجاد من إفاضة شيء على المستفيض وإذ « 1 » ليس في الخارج سوى الفاعل ، ولا معنى لأن يخرج الوجود من العدم حتى يقوم بالمجعول فلا محالة يفيض من الفاعل أمر به يصير المجعول موجودا في الخارج ، فأجاب عليه السّلام بأنّ ذلك محال ولا يتغيّر الكائن بجهة من الجهات لا في ذاته ولا في صفاته ولا في فعله ومثّل ذلك بالأمور المذكورة وفصّل القول فيه بذكر المرآة ليظهر له صورة الحقّ في ذلك كما سنذكر شرحه إن شاء اللّه تعالى .
تكملة نظرية
اعلم أنّ أمر المرآة من أعجب الأمور وأدقّها ، ولها في إرادة بعض مراتب الحقائق الإلهيّة سيّما هذه المسألة العويصة التي الكلام فيها ، مدخل عظيم ومجلى صريح لمن حقّق أمرها وأنّى ذلك للأكثرين حيث ترى خلافاتهم في أمرها كما هو الظاهر .
ولنرجع إلى شرح قوله : « ألا تخبرني يا سيّدي أهو في الخلق أم الخلق فيه » : لمّا أجابه عليه السّلام بما بيّنّا شرحه من أنّ « 2 » الإيجاد ليس بخروج شيء من الجاعل ولا بخروج أمر من العدم ، ولا أنّ هاهنا أعيانا « 3 » ثابتة يشرق عليها نور الوجود الحقيقيّ - كما ذهب إلى كل واحد أقوام - اضطرّ عمران حيث يرى أنّ الأمر بين مؤثّر ومؤثّر فيه ، والمؤثّر بكلّ وجه وعلى كلّ وجه في كلّ مرتبة ومقام هو اللّه تعالى ، والمؤثّر فيه بكلّ وجه وعلى كلّ وجه وفي كلّ موطن هو العالم ، فبقي في بطلان المذاهب المحتملة في الإيجاد أن يكون إمّا الخلق فيه أو هو في الخلق ، وإلّا فلم يكن إيجاد ولا خلق ، وذلك شنيع ، فهداه آخر الأمر إلى ما يرى الحقّ في تلك المسألة كفاحا عيانا ، فذكر أمر المرآة فإنّه لا ريب أنّه إذا نظر النّاظر فيها يرى صورته كما هي ، مع أنّ الصورة ليست
هامش
( 1 ) . وإذ : إذ ع م .
( 2 ) . أنّ : - ن .
( 3 ) . أعيانا : أعيان ن .