في المرآة أي ليست الصّورة أثرت في المرآة وانطبعت ، وليست المرآة في الصّورة أي ليست تؤثّر في الصورة بأن تكون سببا لحدوث الصورة في الهواء المتوسط كما رآه جماعة . وهذا معنى قوله عليه السّلام : « ليس واحد منكما في صاحبه فإذا كان الأمر كذلك فبأي شيء » يعني بأيّ وجه « استدللت بها على نفسك » أي ترى بسبب المرآة صورتك ؟ فاختار السائل أنّ الرؤية إنّما هي بسبب الضّوء الّذي بين الرائي والمرآة .
ولعلّ مراده أن الضّوء صار سببا لأن ترى الصّورة في المرآة وذلك غير القول بحدوثها في الهواء المتوسّط . ولمّا كان هذا القول أيضا باطلا كنظائره أبطله عليه السّلام بأنّ الضّوء كما هو في المرآة كذلك في الهواء وفي البصر فأيّ ترجيح للمرآة في إحداث الضوء تلك الصّورة فيها دون غيرها . وإلى ذلك يشير قوله عليه السلام : « هل ترى من ذلك الضوء في المرآة أكثر ممّا تراه في عينك ؟ قال : نعم » كأنّه زعم أنّ كثرة الضوء سبب الرجحان ، فأبطل ذلك عليه السلام بالمنع وطلب الدليل على الأكثرية ، مع أنّ المشاهد خلاف ذلك إذ الظاهر التساوي ، وذلك قوله عليه السلام : « فأرناه » فلمّا سكت ولم يحر جوابا بيّن عليه السّلام مدخليّة الضّوء في أمر الرؤية من دون أن يكون له دخل في التصوير والتشكيل فقال : « فلا أرى النّور إلّا وقد دلّك ودلّت « 1 » المرآة على أنفسكما من غير أن يكون في واحد منكما » أمّا دلالة الضوء على نفس الشخص فلإراءته صورته ، وأمّا على نفس المرآة فإنّه ما لم يكن الضوء لم يكن ترى المرآة ولا الصّورة ، « 2 » وليس في واحد منهما لأنّه عارض للهواء المتوسّط بينهما ، هذا ما يتعلق بشرح اللفظ .
وأمّا تحقيق المثل : فاعلم أنّ اللّه أبرز تلك المرآة مثلا لصدور الأشياء منه وتجليه الذاتيّ وأنّه تعالى مدّ الظلّ ليعلم نسبة الأشياء في وجوداتها إليه تعالى ، إذ الناظر في المرآة يدرك صورته فيها ويعلم أنّه أدرك صورته قطعا ، ويعلم أيضا أنّه ما أدرك صورته لما يراها في غاية الصّغر لصغر جرم المرآة أو « 3 » في غاية الكبر لعظمه « 4 »
و
هامش
( 1 ) . دلّت : د ل ع م .
( 2 ) . الصورة : الضوء ن .
( 3 ) . أو : وج .
( 4 ) . لعظمه و : لكبر جرم المرآة ن .