أنّ ذلك الواحد باق على وحدته الصّرفة أزلا وأبدا قبل الخلق وبعده « 1 » ، وأنّه ظهر بنفسه في نفسه على نفسه ، إذ لا شيء هاهنا كما حسبته الأقوام من الأعيان الثّابتة أو المعدومات الثّابتة أو الصّور النّورية أو التي في صقع الرّبوبيّة أو غير ذلك مما اخترعته الأوهام العادلة والآراء « 2 » الباطلة .
إلّا أنّ هاهنا فرقا بين المثل الّذي هو السّراج والممثّل له ، وذلك أنّ السّراج « 3 » لابدّ في إضاءته واستضاءة الأشياء به إلى أمر خارج ، بواسطته يظهر ما في شأنه من الكمال بخلاف ما هناك ، فإنّ ساحة « 4 » الكبرياء أجلّ من أن يحتاج إلى ذلك بل يمتنع فيه ، وإلّا لكان معه شيء في أزليّته وذلك ينافي وحدته الحقيقية . ومن هذا وقع هؤلاء الأعلام في الأغلاط والأوهام ولم يأتوا بحقيقة التنزيه والتقديس ؛ ففات « 5 » منهم حقّ التحميد ولم يخلص لهم التّوحيد . واللّه وليّ الهداية .
ثمّ إنّ عمران لم يقنع بذلك حيث اشتبه عليه من التمثيل بالسّراج أنّ هاهنا شيئا هو المستضيء والمستفيد ، كما يقوله أكثرهم « 6 » من القول بالأعيان الثابتة وغير ذلك ، فيلزم التغيّر حيث كان قد تغير في الفعل الّذي هو الإفاضة عن حاله الّذي قبل الإفاضة بسبب إيجاده الخلق .
وبالجملة ، حسب السائل أنّه ما دام النظر إلى أنّ هاهنا أمورا ثابتة يتعلق بها الجعل والإفاضة فبالضرورة يلزم التغيّر لأنّ ثبوت الغير يستلزم التغيّر بسبب الإيجاد ، ولمّا جاوز الحدّ في سؤاله ردّه عليه السّلام بقوله : « أحلت » أي جئت بالمحال وهو تغيّر الكائن جلّ مجده بجهة من الجهات سواء كان بسبب الإيجاد والخلق ، أو بثبوت الأغيار حتى يصيب الذّات من الكائن ما يوجب تغيّره على أن يكون « من » في قوله : « منه » بيانيّة ، أو حتّى يصيب الذّات الكائن من تأثيره في نفسه ما يوجب
هامش
( 1 ) . قبل الخلق وبعده : - ن .
( 2 ) . العادلة والآراء : - ن .
( 3 ) . والممثل له . . . السراج : - ن .
( 4 ) . ساحة : مساحة ع .
( 5 ) . والتقديس ففات منهم : ففاتت منهم ن .
( 6 ) . يؤيّد ما قلنا هاهنا وما سبق منّا قبيل ذلك من البيان ما صدر عمران سؤاله في أوّل الأمر بقوله : « لم أقع على أحد يثبت لي واحدا لا شيء معه » فتفطّن . منه .