وجزئياتها مطابقة للجزئيّات ، ولتتغيّر بتغيّرها كما تتكثّر بتكثّرها ، وكلّ ذلك محال ، لأنّه ينافي الوحدة الخالصة ، وإن لم تطابق الموجود الخارج فليست إذن صورته عنده [ بل ] « 1 » إنّما هو شيء آخر .
ثمّ قال : لكنّه أبدع العنصر الذي فيه صور الموجودات والمعلومات فانبعثت منه كلّ صورة موجودة في العالم على المثال الذي في العنصر الأوّل ؛ فمحلّ الصّور « 2 » ومنبع الموجودات كلّها هو العنصر ، وما من موجود في العالم العقلي والعالم الحسّي إلّا وفي ذات العنصر صورة له ومثال عنده .
ثمّ قال : « ومن كمال ذات الأوّل الحقّ أنّه أبدع مثل هذا العنصر فما يتصوّره العامّة في ذاته أنّ فيها الصّور - يعني صور المعلومات - فهو في مبدعة ، وهو يتعالى بوحدانيّته وهويّته عن أن يوصف بما يوصف به مبدعة » - انتهى .
ومنهم أنكسيمانس وهو أيضا من الملطييّن المعروفين بالحكمة قال « 3 » : « إنّ البارىء أزلي لا أوّل له ولا آخر ، هو مبدأ الأشياء ولا بدء له ، هو المدرك من خلقه أنّه هو فقط ، وأنّه لا هويّة تشبهه « 4 » وكلّ هويّة فمبدعة منه ، هو الواحد ليس واحد الأعداد ، لأنّ واحد الأعداد يتكثّر وهو لا يتكثّر . وكلّ مبدع ظهرت صورته في حدّ الإبداع فقد كانت صورته في علمه الأوّل والصّور عنده بلا نهاية » - انتهى .
ودلالة هذا الكلام أنّه أراد بقوله : « في علمه » هو الموجود الأوّل الصادر أولا لأنّه صرّح قبل ذلك بأنّ اللّه يدرك من وجود خلقه أنّه هو فقط ويعني به أنّ علمه بنفسه هو وجود الخلق عنه فكيف علمه بالخلق ، فهو أولى بأن يكون من الخلق .
ثمّ قال : « أبدع بوحدانيّته صورة العنصر ، ثم صورة العقل انبعثت عنها تبعيّة « 5 » ، فرتّب العنصر في العقل أنواع « 6 » الصّور على قدر ما فيها من طبقات الأنوار وأصناف الآثار وصارت تلك الطبقات صورا كثيرة دفعة واحدة لا بترتيب وزمان « 7 » فحدثت
هامش
( 1 ) . بل ( الملل والنحل ) : - جيع النسخ .
( 2 ) . الصور : الصورة .
( 3 ) . الملل والنحل ، ج 2 ، ص 380 .
( 4 ) . تشبهه : لشبهه ع .
( 5 ) . تبعية : ببدعة الباريء تعالى ( الملل والنحل ) .
( 6 ) . أنواع : ألوان ( الملل والنحل ) .
( 7 ) . لا بترتيب وزمان : كما تحدث الصور في المرآة الصقيلة بلا زمان ولا ترتيب بعض على بعض ( الملل والنحل ) .