نفسه ذلك أحبّ أن يظهر لنفسه ما في خزائنه الغيبيّة من الأنوار العقليّة وشاء أن يعدّ لنفسه على التفصيل أنّه كلّ الأشياء ويحاكي لنفسه أنّه ما من صفة كماليّة ولا درجة وجوديّة إلّا وهو يحويها ويحيط بها كما قال :
وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ
« 1 » ويصير معروفا عند نفسه بكمال الصفات والأسماء كما قال عزّ شانه « 2 » : « كنت كنزا مخفيّا فأجبت أن أعرف فخلقت الخلق لكي أعرف » وهذه هي مرتبة الربوبيّة ، وإلى المرتبتين أشار بقوله عزّ من قائل :
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ *
ثم بعد ذلك أراد أن يوجد ما في علمه واختار مشّيته وأن يتصوّر بصورها أي يظهر تلك الصّور في العين ويعطي كلّ ذي حقّ حقّه ، فقدّر سبحانه آجالها ومدّد أعمارها وأرزاقها كما قال :
وَما نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ
« 3 » ثم قضى ما قدّر و
أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ
« 4 » وأمضى ما قضى وهداه إلى مصالحه فيما تقرّبه إلى اللّه زلفى لأنّه بعد ما أراد إظهار تلك الحقائق لابدّ وأن يقدّر لها أجلا ورزقا ومقدارا من الحياة والبقاء ويحكم بوجوب ظهورها ويأمرها بخروجها وإلّا فمن أين لهم أن يظهروا في العين ولم يملكوا لأنفسهم نفعا ولا ضرّا ؛
فَتَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ
« 5 » .
مقدّمة
معنى قولنا : أوجد العقل هو أنّه عقل نفسه فصار عقلا وعاقلا ومعقولا ، أو عقل « 6 » فوجد العقل على ما يراه أهل اللسان من الفعل المطاوع ، لأنّه « 7 » عقل فأوجده فصدق أنّه أوجده وخلقه بعلمه . وكذلك يصدق أنّه خلق الأشياء بعلمه من وجهيه :
هامش
( 1 ) . الحجر : 21 .
( 2 ) . حديث مشهور رواه بعضهم خطابا من الله تعالى لداوود وبعضهم عن النبي ( ص ) عن ربّه . وقال السيوطي في الدرر المنتثرة في الأحاديث المشتهرة ( هامش الفتاوى الحديثة لابن حجر ، ص 193 : « لا أصل له » وقال ابن عربي في الفتوحات ، ج 2 ، ص 339 : « ورد في الحديث - الصحيح كشفا ، الغير الثابت نقلا - عن رسول اللّه ( ص ) عن ربّه : « كنت كنزا . . . » .
( 3 ) . الحجر : 21 .
( 4 ) . طه : 50 .
( 5 ) . غافر : 64 .
( 6 ) . أو عقل : - ن .
( 7 ) . لأنّه : لا أنّه ن . ج .