العقلاء وأرباب الملل فكيف تخالف هذا الإجماع المستبين ! وما سمعنا بهذا في آبائنا الأوّلين !
فاعلمن إنّك بعد في قلادة تقليد السّالفين « 1 » ولم تهاجر إلى مدينة علم المؤمنين فإيّاك وإيّاك أن تكون من « إنّا وجدنائين » « 2 » فإنّ ذلك يوصلك إلى دار الأخسرين أو لم تسمع ما قال اللّه تعالى في كتابه الّذي لا يمسّه إلّا المطهرّون : « 3 »
وَما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ
« 4 » عصمنا اللّه وإيّاك من زلّة الخاطئين إنّه أرحم الرّاحمين .
أمّا الأخبار ، فأين آباؤك من فهم رموزها وإشاراتها - فإنّ ذلك يتيسّر لمن اقتبس الأنوار من مشكاتها وأتى البيوت من أبوابها - وهم مثلك لم يتدرجوا من دركات الحسّ والخيال وما لهم من الأنوار الإلهيّة من وصول . وإن شئت وكنت من الطالبين فاستمع لما أتلو عليك من حقّ اليقين والذّكر المبين « 5 » ، وأنّ هذه الأخبار إنّما وردت في بيان مرتبة الواحديّة المتأخرّة عن المرتبة الأحديّة الصّرفة ويسمّى أيضا ب « المرتبة الألوهيّة » الجامعة لجميع الأسماء والصّفات المشتملة على كافة المراتب والكمالات المدلولة عليها بلفظ « اللّه »
قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ أَيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى
« 6 » وهذه الإحاطة إحاطة إلهيّة سرمديّة ، وهذه الوحدة وحدة جمعيّة لا يزاليّة ، فله الكلّ من حيث لا كثرة فيه .
وبالجملة ، كلّما نطقت الشريعة المقدّسة بذكر الصفات والأسماء وجميع ما قالت الحكماء الأفاضل من العينيّة والاحتواء فإنّما أرادوا في هذه المرتبة ولم يكلّفوا في الدّلالة والهداية فوق تلك المنزلة ، قال تعالى :
فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ
« 7 » حيث صرح
هامش
( 1 ) . ايّها النّحرير كيف اجتهدت أنت وهم في التّقليد وأنّ الامام عليه الصّلاة والسّلام يقول :
« والعلم ذاته » وأنت حملت على المرتبة الواحديّة التي هي بعد الذّات بتصريح المحقّقين إذ كما أنّ النّفس مرتبة تكثّر الفعل والواحديّة مرتبة تكثّر الأسماء الأحديّة والواحديّة كالعقل والنّفس ؛ تأمل تفهم . سيّد علي التّنكابني ( هامش طبع حجر ) .
( 2 ) . إشارة إلى قول الكفار كما في القرآن : « وجدنا عليه آباءنا » - المائدة : 104 - « وجدنا عليها آباءنا » - الأعراف : 28 -
( 3 ) . اقباس من الآية 79 من سورة الواقعة .
( 4 ) . يوسف : 106 .
( 5 ) . المبين : المتين ع .
( 6 ) . الإسراء : 110 .
( 7 ) . محمد : 19 .