الأزليّة .
وعلى بطلان الثالث أي الحاجة في الصّفات الكماليّة أشار بقوله عليه السّلام : « والحاجة يا عمران لا يسعها » أي لا يسعها شيء يعني لو خلق ما خلق لفضل منزلة وتحصيل كمال ومرتبة لكان كلّما خلق شيئا أحدث ذلك الشيء فيه حاجة أخرى ويتسلسل ، إذ على تقدير أنّه تعالى يمكن فيه أن يشذّ عنه مرتبة لم يكن هو سبحانه أحاط بها ويشملها أو أن يعزب عنه مثقال ذرّة في الأرض والسّماء . فكلّما خلق ليصل إلى مرتبة ويتّصف بصفة يظهر بعده منزلة أخرى يحتاج إليها ، إذ قد انفتح باب الإمكان و [ فقر فاه ] « 1 » ولا يسدّ فاقته ولا يطعمه من جوع إلّا الوجوب الذاتيّ الذي للّه ، وهو لا يتأتى إلّا بأن يكون ذلك الوجوب مشتملا على جميع المراتب والكمالات ولا يعزب عنه مثقال ذرّة في الأرضين والسّماوات ؛ فتبصّر ! فإنّ ذلك من غريب البيان .
ويمكن أخذ الاستدلال على ضرب من الإقناع وهو أنّه سبحانه خلق ما خلق لا لحاجة كاحتياج صاحب البيت إلى الخدم والأهلين وإلّا لخلق بقدر ما به يستعين كعشرة أو عشرين .
وأيضا ما خلق لفضل منزلة وتشييد سلطان كاحتياج السلاطين إلى العساكر والشّجعان وإلّا لزم أن يخلق أضعاف ما خلق إذ الأعوان كلّما كثروا كان صاحبهم أقوى ، وإذ لا سلطان إلّا سلطانه فكيف يحتاج إلى من يعينه .
وأيضا ما خلق الخلق لأنّه رأى لنفسه في الخلق زيادة ونقصانا كاحتياج المغتذي إلى الغذاء وإلّا لزم أن لا ينتهي خلقه إلى حدّ ولا ينقضي إلى أمد ، إذ كلّما أحدث شيئا ليغتذي به حدثت فيه حاجة إلى آخر بدله ، فظهر أنّه تعالى هو الملك الغنّي على الإطلاق ولا يحتاج في شيء من أحواله إلى شيء من خارج ذاته بل الكلّ محتاجون إليه ، إذ كلّهم منه وهو مالك الكلّ ، ومالك الأشياء هو الأشياء كلّها إلّا أنّ الأشياء فيه ؛ تعالى اللّه عمّا يقول الظّالمون وسبحانه وتعالى عما يشركون ؛ فسبحان الأحد
هامش
( 1 ) . فقر فاه : نعرفاه ج ؛ فغرفاه سائر النسخ .