التّنزيه أسرار عظيمة ، ومع هذا لم يبلغوا فيها مبلغ المتأخّرين من هذه الأمّة ، لأنّهم أخذوها عن موادّ حروف القرآن والأخبار النبويّة ، فكانوا من ذلك بمنزلة السّهر الذين يتحدّثون من أوّل اللّيل قبل نومهم . فلمّا وصل زمان ثلث هذه الليلة وهو الزّمان الذي نحن فيه إلى أن يطلع الفجر - فجر يوم القيامة والبعث ويوم الحشر والنّشر - تجلّى الحقّ في ثلث هذه الليلة وهو زماننا ، فأعطى من العلوم والأسرار والمعارف في القلوب بتجلّيه ما لا يعطيه حروف الأخبار ، فإنّه أعطاها في غير موادّ بل المعاني مجرّدة ، فكانوا أتمّ في العلوم ، وكان القرن الأوّل أتمّ في العمل ، وأمّا الإيمان فعلى التّساوي » - انتهى كلامه .
ثمّ إنّه ذكر وجه المساواة بأنّ هذه النشأة « 1 » إنّما فطرت على الحسد ، فإيمان الصّحابة إنّما يكون للقوّة على دفع نفوسهم ، وإيماننا إنّما حصل بأخبار سمعناها ، وأوراق وجدنا من غير تردّد فعلم من ذلك قوّة الإيمان الذي أعطانا اللّه عناية منه .
ثمّ قال « 2 » : « فقابلنا هذه القوّة بتلك القوّة فتساويا وبقي الفضل في العلم حيث أخذناه من تجلّي هذه الليلة المباركة التي فاز به أهل ثلثها ممّا لا قدم للثّلثين الماضيين من هذه الأمّة فيها .
ثمّ إنّ تجلّيه سبحانه في ثلث الليل من هذه الليالي الجزئيّة التي يعطيها الجديدان في قوله إنّ « 3 » ربّنا ينزل في كلّ ليلة في الثّلث الأخير إلى السماء الدّنيا ، فيقول : هل من
هامش
( 1 ) . النشأة : النشائة ع .
( 2 ) . أي ابن عربي .
( 3 ) . في توحيد الصّدوق [ ص 176 ] عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله أنّه قال : إنّ اللّه تعالى ينزل كلّ ليلة إلى السّماء الدنيا - الحديث .
أقول : إنّ كلّ التّجلي يظهر من المرتبة الإلهية فذلك يسمّى في لسان الشّرع الذي هو فصل البيان باسم إلهيّ ، وكلّ نور وضياء يصل من ذلك العالم إلى عالم الرّبوبيّة فهو المسمّى ب « الملك » وذلك لأنّ مرتبة الألوهيّة هي موطن الأسماء الإلهيّة ومرتبة الرّبوبيّة هي موضع أفعاله ومحل كرامته ؛ فحقيقة الملك وباطنه اسم إلهي تناسب المرتبة التي ظهرت في موطن الرّبوبيّة ، وحقيقة الاسم الإلهيّ وباطنه هي التجلّي الإلهيّ الذي كل يوم هو في شأن من شؤون الحضرة وإنّما تصحّ نسبة الذّهاب والمجيء إلى المرتبة الرّبوبية دون الإلهيّة -