ورابعتها قال الشيخ محيي الدّين - رضي اللّه عنه - في الفتوحات المكّية « 1 » :
« السؤال الثّامن والأربعون من أسؤلة الحكيم التّرمذي : إنّ للّه مائة وتسعة عشر خلقا ما تلك الأخلاق ؟
الجواب : إنّ هذه الأخلاق مخصوصة بالأنبياء عليهم السّلام ؛ ليس لمن دونهم فيها ذوق ولكن لمن دونهم تعريفاتها ، فتكون عن تلك التّعريفات أذواق ومشارب لا يحصيها إلّا اللّه علما وعددا . وللرّسل منها على قدر ما ينزل في كتبهم وصحفهم إلّا محمّد صلّى اللّه عليه وآله ، فإنّه جمعها كلّها بل جمعت له عناية أزليّة قال تعالى :
تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ
« 2 » فيما لهم به من هذه الأخلاق .
فاعلم أنّ اللّه تعالى لمّا خلق الخلق خلقهم أصنافا ، وجعل في كلّ صنف خيارا ، واختار من الخيار خواصّ وهم المؤمنون ، واختار من المؤمنين خواصّ وهم الأولياء ، واختار من هؤلاء الخواصّ خلاصة وهم الأنبياء ، واختار من الخلاصة نقاوة وهم أنبياء الشّرايع ، واختار من النّقاوة شرذمة قليلة هم صفاء النّقاوة وهم الرّسل المكرّمون ، واصطفى واحدا منهم هو المهيمن على جميع الحقائق ، جعله عمدا « 3 » أقام عليه قبّة الوجود ، وجعله أعلى المظاهر وأسناها ، وصحّ له المقام تعريفا وتعيينا ، فعلّمه قبل وجود طينة البشر ، وهو محمّد صلّى اللّه عليه وآله لا يكاثر ولا يقاوم « 4 » ، وهو السّيد ومن سواه سوقه ، قال عن نفسه « 5 » : « أنا سيّد النّاس ولا فخر » - بالرّاء والزّاي روايتان - أي أقولها غير متبجّج بباطل ، أو أقولها ولا أقصد الافتخار على من بقي من العالم فإنّي وإن كنت أعلى المظاهر الإنسانيّة ، فإنّي أشدّ الخلق تحقّقا بعيني ، فليس الرّجل من تحقّق بربّه ، وإنّما الرّجل من تحقّق بعينه لما علم أنّ اللّه أوجده له تعالى لا لنفسه ، وما فاز بهذه الدّرجة ذوقا إلّا محمّد صلّى اللّه عليه وآله وكشفا إلّا الرّسل وراسخوا علماء هذه الأمّة المحمّديّة ؛ ومن سواهم فلا قدم لهم في هذا الأمر » -
هامش
( 1 ) . الفتوحات ، ج 2 ، ص 72 ( السؤال 48 ) وص 73 - 74 ( السؤال 49 ) .
( 2 ) . البقرة : 253 .
( 3 ) . عمدا ( الفتوحات ) : أمدا ع م ن .
( 4 ) . لا يقاوم ( الفتوحات ) : لا يقادم جميع النسخ .
( 5 ) . سنن ابن ماجة ، كتاب الزهد ، الحديث 37 .