نور قدسيّ
وأمّا معرفة الرسول بالرسالة فبيان ذلك يستدعي تمهيد مقدّمات مبنيّة بالكشف والبرهان :
أوليها : هي أن تعرف أنّ الموجودات كلّها كلمات اللّه لا تبديل لها إذ لا تبديل لخلق اللّه ، وذلك لما روي أنّ اللّه سبحانه بعد ما خلق النّور الأوّل الذي هو عقل الكلّ خلق حروفا ، وخلق من تركيب تلك الحروف الغيبيّة الموجودات كلّها ، ولا شكّ أنّ المركّب من الحروف يكون « كلمة » قال سبحانه :
لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً لِكَلِماتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي
« 1 » وقال عزّ شأنه في شأن المسيح :
بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ
« 2 » .
وأيضا ، هي الدالّة على المعنى ولا شكّ أنّ الموجودات كلّها دالّة على اللّه عزّ وجلّ .
وأيضا ، وجود الأشياء إنّما هو بكلمة « كن » بمعنى أنّ تلك الكلمة هي نفس ظهور الأشياء فوجودها عين التكلّم بها ، فالأشياء كلّها كلمات وجوديّة ، والإيجاد هو إنشاء الكلام ، ولذلك سرّ عرفه من عرفه ؛ وبالجملة ، العالم كلّه أصوات وحروف أو كتاب صنّفها اللّه للّذين يؤمنون بالكتاب ؛ ومن ذلك فاعرف سرّ ما ورد في كلام أساطين الحكمة من ذكر الموسيقار في بيان معنى العالم « 3 » . وكما أنّ الكلمة تنقسم أوّلا إلى الاسم الذي جرّد عن الزّمان ، وإلى الفعل المقارن له ، وإلى الحرف « 4 » التي لم تستقلّ قواما ، كذلك الموجودات والعوالم الكليّة لها على ثلاثة أصناف :
الأوّل عالم الجواهر المجرّدة عن الأكوان والزّمان .
والثّاني عالم الجواهر المقارنة لهما .
والثالث عالم الملك الذي هو العرض الذي لم يستقلّ بالقوام « 5 » والوجود .
وكما أنّ لكلّ طائفة من الكلمات ميزان « 6 » هو المرجع في التّصرّفات الواقعة على
هامش
( 1 ) . الكهف : 109 .
( 2 ) . آل عمران : 39 .
( 3 ) . إشارة إلى رأي فيثاغورس .
( 4 ) . الحرف : الحروف ن .
( 5 ) . بالقوام : - ن .
( 6 ) . ميزان : ميزانا ع .