الأنوار وهو نور يقذفه اللّه في قلب من يشاء من عبيده ، فيسع ذلك القلب إيّاه من حيث مرتبتي إجماله وتفصيله ، كما قال عزّ شأنه « 1 » : « لا يسعني أرضي ولا سمائي ولكن يسعني قلب عبدي المؤمن فانّه يتقلّب معي وفيّ وبي » وهذا النّور هو نور المحبوبيّة التّامّة الحاصلة من قرب النوافل المنتجة لأن يصير هو سبحانه كلّ العبد ، ويفنيه عن الكل ، فحينئذ يكشف الحقّ عن وجهه ذي الجلال وتحرق سبحات وجهه ما انتهى إليه البصر من وجود وكمال ، ويخرق ما بينه وبين العبد من الحجب والأستار ، ويسمع ذلك العبد من سماء قلبه :
لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ
« 2 » فما رأى باللّه إلّا اللّه وما سمع باللّه إلّا من اللّه ، ولا يعرف باللّه إلّا اللّه ، ولا يرى اللّه غير اللّه ، ولا يحبّ اللّه غير اللّه ، فالرائي والسّامع والعارف والمحبّ هو اللّه ، لأنّ اللّه صار سمعه وبصره وكله ذلك لا بالمجاز بل بالحقيقة وأحقّ الحقيقة ، وكذا المرئي والمسموع والمعروف والمحبوب هو اللّه ، فيرى الكلّ نورا واحدا ليس غيره متجلّيا حسبما شاء ، وحقيقة واحدة موجودة أينما أراد ، لأنّه لا يرى اللّه إلّا اللّه ، ولا يعرف اللّه إلّا اللّه ، كما سمعت من البراهين والأخبار ، وهذا هو السير من اللّه إلى اللّه .
وإلى هذا المقام أشار أبو يزيد حيث قال : « 3 » « ألا إنّي ثلاثون سنة ما أتكلّم إلّا مع اللّه
هامش
( 1 ) . احياء علوم الدين ، ج 3 ، ص 14 .
( 2 ) . غافر : 16 .
( 3 ) . قال صاحب الفتوحات المكيّة في الباب الثّامن والسّبعين والمائة ( ج 2 ص 326 ) بهذه العبارة : وأحد لا يحب في الموجودات غيره ، وما في الوجود إلّا محبّ ، فالعالم كلّه محب ومحبوب ، وكلّ ذلك راجع إليه ، كما أنّه لم يعبد سواه ، فإنّه ما من عبد عبد إلّا بتخيّل الألوهيّة فيه ولولاها ما عبد ، يقول تعالى :وَقَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُوكذلك الحبّ ما أحبّ أحد غير خالقه ولكن احتجب عنه بحجب زينب وسعاد وهند وليلى والدّرهم والدّينار والجاه وكلّ ما في العالم ، فأفنت الشعراء كلامهم في الموجودات وهم لا يعلمون ، والعارفون باللّه لم يسمعوا شعرا ولا لغزا ولا غزلا إلّا وفيه من خلف حجاب العبوديّة ، وسبب ذلك الغيرة الإلهيّة أن يحبّ سواه فإنّ الحبّ سببه الجمال ، وهو له لأنّ الجمال محبوب لذاته « واللّه جميل يحبّ الجمال » فيحبّ نفسه وسببه الآخر الإحسان وما تمّ إحسان إلّا من اللّه ، ولا محسن إلّا اللّه ، فإن أحببت الإحسان فما أحببت إلا اللّه فإنّه المحسن ، فعلى كلّ وجه ما متعلّق المحبّة إلّا اللّه أي سواء كان المحبة منه أو من غيره » - انتهى كلامه الشريف . -