فإذن جميع حدود الحقائق الموجودة التي هي مظاهر الأسماء الإلهية حدّ لاسم « اللّه » ، كما أنّ جميع معاني الأسماء حدّ لهذا الاسم إلّا أنّ كلّا من سائر الحدود يمكن إحاطة العقل البشري بها وبأجزائها ، بخلاف معاني هذا لأنّها غير محصورة فحدّ الحق سبحانه محال ، لأنّ صور العالم لا ينضبط ولا يحاط بها على الكمال فثبت امتناع تعلّق المعرفة بحقيقة الألوهيّة . ومن هذا يصح أن يقال : لا حد له .
وأمّا معرفة لوازمها وخواصّها ، فمّما يمكن معرفتها للأوحديّ الفريد ، لأنّ الاطّلاع بلوازمها أيضا ممّا يعسر جدّا على أنّه لا تفيد تلك المعرفة في اللّه فائدة ولا يقدح فيما نحن فيه ألبتّة .
وبالجملة ، فثبت بالبرهان على مطابقة الكشف والعيان أنّ معرفة ذاته الأحديّة ممّا يمتنع قطعا كذا تمتنع معرفة حقيقة اللّه أي من حيث هو مسمّى لفظ « اللّه » ! ولمّا كان ذلك من المستحيل فلا أداة لتحصيله إذ الأداة منحصرة في الحسّ والوهم والخيال والعقل ، وهو سبحانه لا يدرك بالحسّ ، ولا يحيط به الأوهام والعقول ، كما ثبت بالعقل والنّقل :
ففي حديث المفضّل « 1 » بعد كلام نقل من أهل الإنكار والجحود ، قال عليه السّلام :
« فقالوا : ولم لا يدرك بالعقل ؟ قيل : لأنّه فوق مرتبة العقل كما لا يدرك البصر ما هو فوق مرتبته » إلى أن قال عليه السّلام : « وعلى حسب هذا أيضا نقول : إنّ العقل يعرف الخالق من جهة ما لا يوجب عليه الإقرار ولا يعرفه بما يوجب له الإحاطة بصفته » فلذلك لمّا سأل عبد الأعلى عن الصادق عليه السّلام بقوله « 2 » : « هل جعل في النّاس أداة ينالون بها المعرفة ؟ » أجاب عليه السّلام بقوله : « لا » كما نقل الرّاوي بقوله : « فقال :
« لا » . ولمّا ليس للنيل إلى المعرفة أداة فلا إمكان لحصولها بالنّظر إلى العباد ، إذ الإمكان فرع الأداة وآلة الاستطاعة ، وإذ لا إمكان فلا تكليف ، إذ يمتنع التكليف بالممتنع . وهذا معنى ما في الخبر : « قلت فهل كلّفوا المعرفة ؟ فقال : لا » . فظهر « 3 » أن ليس
هامش
( 1 ) . توحيد المفضّل ، ص 117 - 118 .
( 2 ) . التوحيد ، ص 414
( 3 ) . فظهر : يظهر ع م ن .