من حيث ذاته البسيطة فمستحيل قطعا لأنّ التصوّر إمّا بديهي أو نظري ، والبديهيّ إما حسّي أو عقليّ ، والنظّري إمّا بالحدود أو بالرسوم ، ولا طريق غير هذه الأربعة ولا سبيل إلى كلّ واد من الطّرق المذكورة .
أمّا الأول ، أي كونه سبحانه بديهيّا حسّيا فامتناعه بديهيّ ؛
وأمّا الثّاني ، فلأنّ البديهيّ العقليّ إنّما يكون من الأمور العامة المشتركة كالوجود والشيئيّة ، والأمور العامّة هي المعاني المصدريّة العرضيّة المحمولة على جميع الأشياء ، واللّه تعالى بخلاف ذلك كلّه كما ثبت بالبراهين ؛ وبالجملة ، المعاني المصدريّة من أضعف الأشياء تحققا ، لأنّها موقوفة على تحقّق طرفيها ولأنّها أعراض تعرض الأشياء ، ولأنّها محمولات على ما تحتها والمحمول معلول ألبتّة ؛ فتدبّر !
وأمّا الثّالث ، فلأن « الحدّ » مركّب من الجنس والفصل وهو سبحانه لا تركيب فيه أصلا ، لأنّ التّركيب يؤذن بالفقر والإمكان قطعا .
وأمّا الرّابع ، فلأنّ « الرّسم » إنّما يتألّف من الّلوازم والخواصّ ، وليس له سبحانه لازم لامتناع كون الفاعل البسيط قابلا فلا رسم له عزّ وجلّ ، فثبت أن لا سبيل إلى معرفته وتصوّره سبحانه من حيث ذاته الأحديّة بوجه من الوجوه ، إذ « كلّما مثّلتموه « 1 » بأوهامكم في أدقّ معانيه فهو مصنوع مثلكم مردود إليكم » « 2 » وفي حديث المفضّل « 3 » قال عليه السلام : « فإن قالوا : كيف يعقل أن يكون مبائنا لكلّ شيء متعاليا ؟ قيل لهم :
الحقّ الذي تطلب معرفته من الأشياء هو أربعة أوجه :
فأوّلها ، أن ينظر أموجود هو أم ليس بموجود ؟
والثّاني ، أن يعرف ما هو في ذاته وجوهره ؟
والثّالث ، أن يعرف كيف هو وما صفته ؟
والرّابع ، أن يعلم لماذا هو ولأيّة علّة ؟
هامش
( 1 ) . مثلتموه : ميّزتموه .
( 2 ) . قسم من الحديث الذي أشرنا إليه سابقا ونقله الشارح في شرح توحيد الصدوق ، ج 1 ، ص 138 و 176 وفي مواضع أخرى .
( 3 ) . توحيد المفضّل ، ص 119 .