وليس من هذه الوجوه شيء يمكن المخلوق أن يعرفه من الخالق حقّ معرفته ، غير أنّه موجود فقط فإذا قلنا : وكيف ؟ وما هو ؟ فممتنع علم كنهه وكمال المعرفة به ؛ وأمّا « لماذا هو ؟ » فساقط في صفة الخالق ، لأنّه جلّ شأنه علّة كلّ شيء وليس شيء بعلّة له . ثمّ ليس علم الإنسان بأنّه موجود يوجب له أن يعلم ما هو ؟ وكيف هو ؟ كما أنّ علمه بوجود النفس لا يوجب أن يعلم ما هي ؟ وكيف هي ؟ كذلك الأمور الروحانية اللطيفة » - انتهى .
وأمّا أنّه يمتنع معرفته من حيث الألوهيّة فذلك لأنّه وإن كان للألوهيّة حدّ بالحقيقة كما قال الشيخ العربي رضي اللّه عنه : « فحدّ الألوهيّة بالحقيقة لا بالمجاز » - انتهى ، لكن يمتنع الإحاطة بذلك الحدّ ، إذ لا يعلم حدّها إلّا بحدّ كلّ صورة تكون في العالم ، والعلم بكلّ صورة في العالم محال قطعا فحدّ الحقّ سبحانه محال :
بيان ذلك : - وإن كنّا قد أشرنا فيما مضى إلى ذلك - هو أنّ مسمّى « اللّه » هو المنعوت بجميع النّعوت الإلهيّة والموصوف برمّة الأوصاف الكماليّة ولمّا كان جميع الموجودات مظاهر لأسمائه وصفاته الحسنى فما من اسم إلهي إلّا وله مظهر في العالم ، والاشتراك بين معنى كلّ اسم ومظهره ليس بمجرّد اللفظ وإلّا لم يكن هذه الصّور بمعانيها دلائل وشواهد على أسماء اللّه وأوصافه ، بل المعاني والمفهومات مشتركة إلّا أنّ هذه المعاني هاهنا في غاية النّقص والقصور وهناك في غاية العظمة والنور ، فيكون الأسماء الإلهية مع مظاهرها ومجاليها متّحدة المعنى - سواء كانت المظاهر من عالم الشهادة والحسّ أو من عالم « 1 » الغيب والقدس - ومعلوم أن حدّ الشيء عبارة عن صورة عقلية تفصيلية ومطابقة لحقيقة واحدة كليّة موجودة بوجود واحد ، بأن يكون لحقيقة واحدة صورتان إدراكيتان : إحديهما موجودة بوجود واحد ، والأخرى موجودة بوجودات متعدّدة ، فيقال للمفصّلة : إنّها حدّ ، وللمجملة : إنّها محدود ، فعلى هذا يلزم أن تكون مفهومات جميع الأسماء الإلهيّة ومظاهرها هي على كثرتها حدّا حقيقيّا لمفهوم اسم « اللّه » .
هامش
( 1 ) . عالم : علم ج .