تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح الاربعين — صفحة 235

مساهمون:

ص٢٣٥
« قال : وسألته عن قوله تعالى :
وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَداهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ ما يَتَّقُونَ
» : اعلم أنّه لا شكّ أنّ الهادي والمضلّ هو اللّه سبحانه لأنّهما من أسمائه سبحانه ولهما مظاهر في العالم ؛ فمظهر الاسم « المضلّ » هم الشياطين ومن يحذو حذوهم ، ومظهر الاسم « الهادي » هم الأنبياء ومن يسلك سبيلهم . وأمّا معنى إضلال اللّه عزّ وجلّ الظالمين فهو أنّه لمّا علم اللّه سبحانه منهم اختيارهم للكفر والضّلال ، وعلمه عزّ شأنه أولى بحقيقة التّصديق والتّحقيق فسلك بهم سبيل الأشقياء وأهل الكفر والضّلال ، لأنّ السنّة الإلهيّة أوجبت أن يعطي كلّ مستحقّ ما يستحقّه ، والقوّة القاهرة رفعت الوسائط بين العباد وبينه ، فهو سبحانه ليس بظلّام للعبيد وله أن يفعل في ملكه ما يشاء من خلق جديد ، و
لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ
« 1 » ، وتمام التحقيق في ذلك سيجيء من ذي قبل على وجه يوجب التصديق . فمعنى الآية هو أنّ اللّه سبحانه ليس بأن يضلّ قوما ويسلك بهم سبيل أهل الكفر والمعاصي بعد إذ هداهم وأعطاهم نور العقل وأرسل إليهم الأنبياء والرّسل حتى يبيّن لهم ما يتّقون . قال عليه السّلام : « حتى يعرّفهم ما يرضيه وما يسخطه » فإذا عرّفهم واختاروا بعد التعريف والتبيين الضّلال والكفر والمعاصي فحينئذ يضلّهم ، لأنّهم ظلموا أنفسهم باختيارهم ويضلّ اللّه الظالمين بظلمهم . واعلم أنّه عليه السّلام فسّر « ما يتّقون » بالأمرين جميعا لا بما يسخط فقط ، إشارة إلى أنّ التّقوى ليس هو الورع عن محارم اللّه فقط بل هو مع إتيان ما يرضى اللّه من الباقيات الصّالحات وفّقنا اللّه وإياكّم للتّقوى وجعلنا مع أئمة الهدى في الآخرة والأولى .
هامش
( 1 ) . الأنبياء : 23 .