للعباد أن يعرفوا اللّه ولا يكلّفون بها .
« إذ لا يكلّف اللّه نفسا إلّا وسعها » : وقد عرفت أنّهم ليس في وسعهم ذلك ،
لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا ما آتاها
« 1 » وأعطاها من آلة وأداة يستطعون بها من الفعل وقد دريت أنّه « 2 » لا أداة لهم لذلك ، فلا يعرف اللّه أحد حقيقة الحقّ الإله ، ولا يمكن له تحصيل تلك العرفة فلا يحصل ذلك إلّا بكشف إلهي وإلهام رباني بأن يعرّفهم نفسه ويظهر لهم نوره ويبيّن لهم بفضله الجسيم ويكشف عن وجهه الكريم ، فيحترق سبحات وجهه ما انتهى إليه البصر من الكثرات « 3 » ، ولا يبقى في نظر العبد إلّا اللّه جامع الشتات ، فيعرف اللّه باللّه ، لا بشيء آخر سواه ، كما قال أمير المؤمنين عليه السلام « 4 » :
« عرفت اللّه باللّه » هذا هو طريقة الصدّيقين ومن رام غير ذلك سلك سبيل المجرمين . وإلى هذا أشير في خبر آخر « 5 » : « إنّ المعرفة من صنع اللّه ليس للعباد فيها صنع » وسيأتيك فيما بعد ما يكشف عن حقيقة الحال ويهديك من ورطة الهالكين وأهل الضّلال .
فإن قلتم : أليس قد كلّفنا بمعرفته عزّ شأنه ، وبالنّظر والاستدلال وشهادة أن لا إله إلّا اللّه ذو العزّ والجلال ، كما قال عزّ وجلّ :
فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ
« 6 » وليس ذلك إلّا التكليف بالمعرفة .
قلنا : أمّا التكليف بالمعرفة فقد أجاب الصّادق عليه السّلام عنه في حديث المفضّل « 7 » حيث قال : « فإن قالوا : كيف يكلّف العبد الضّعيف معرفته بالعقل اللطيف ولا يحيط به ؟
قيل لهم : إنّما كلّف العباد من ذلك ما في طاقتهم أن يبلغوه ، وهو أن يوقنوا به
و
هامش
( 1 ) . الطلاق : 7 .
( 2 ) . أنّه : أنّهم ع م .
( 3 ) . اقتباس من الحديث المنقول عن النبي ( ص ) : « حجابه النور لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه » ( صحيح مسلم ، ج 1 ، كتاب الإيمان ، ص 211 ، حديث 293 ) .
( 4 ) . التوحيد ، ص 286 وفيه : « اعرفوا اللّه باللّه » ؛ الكافي ، ج 1 ، ص 85 .
( 5 ) . التوحيد ، ص 410 ، باب التعريف والبيان والحجّة والهداية .
( 6 ) . محمد 19
( 7 ) . توحيد المفضل ص 118 .