السّواد والبياض كيف يكونان متخالفين طبق مخالفة أصليهما فإنّ شأن أحدهما التفريق ومن الآخر التجميع - ولمّا نظرنا إلى العالم وجدنا كلّ جزء منه مرتبطا بالآخر مؤتلفا منه محتاجا إليه بحيث يكون الكلّ شخصا واحدا ، بل إنسان واحد ، كما يراه أهل اللّه أيقنّا وجزمنا بأن ليس ذلك صنع فاعلين مختلفين .
وأيضا ، لمّا فرضنا مختلفين كمال الخلاف ولا شكّ أنّ طبيعة أحدهما يقتضي الإيجاد لما « 1 » نشاهد من وجود العالم فلابدّ أن يكون الآخر يقتضي الإعدام ليتحقّق كمال المخالفة ، وذلك يستلزم فساد العالم أي يلزم أن يكون موجودا ومعدوما معا في آن واحد أو لا موجودا ولا معدوما ، كما قال سبحانه
لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا
« 2 » وإن كان الأول أي أن يكونا متفقي الحقيقة فهو يستلزم التّعدّد أكثر من اثنين بل يلزم عدم تناهي القدماء لأنّهما إن اشتركا في الحقيقة - مثلا في وجوب الوجود - فلابدّ أن يتميّزا وأقلّ ذلك بأن يتميّزا بأمر واحد وجودي ، واحد منهما يتميز بوجوده فيه ، والآخر يتميز بسلبه عنه ، وذلك يستلزم التثليث فيكون ذلك الثالث قديما معهما « 3 » وذلك ظاهر ويكون واجب الوجود ، إذ ليس معلولا لأحدهما لعدم الترجيح ، ولا لكليهما لامتناع التوارد ، ولاستلزامه افتقار أحدهما إلى الآخر في وصفه ، لأنّ المقدّر أنّ ذلك الأمر قائم بواحد منهما ، فبقي أن يكون ذلك الأمر واجب الوجود مثلهما ، فيتماثلون فيحتاج إلى أمرين آخرين على الأقلّ ، بأن يتّصف اثنان من الثّلاثة بالأمرين ويسلب هذان الأمران عن الأخر حتى يتميز الثّلاثة وهكذا إلى غير النّهاية .
تعليق
فإن قلت : إنّما أبطلتم كونهما متّفقين في الذّات ومختلفين بالجهات ، لكن بقي أنّه لم لا يجوز أن يكون في الوجود صانعان مستقّلان متبائنان بالذّات كمال التّباين
و
هامش
( 1 ) . لما : كما ن .
( 2 ) . الأنبياء : 22
( 3 ) . معهما : - ن .