وأمّا سوء الأدب فمعارضتهم بما دخلوا فيها بالأمور القادحة فجعلوا نظرهم في توحيده أتمّ في الدلالة مما دلّ به الحق على أحديّته . وما ذهب إلى هذا إلّا المتأخّرون من المتكلّمين النّاظرين في هذا الشّأن ، وأمّا المتقدّمون « 1 » فما عرجوا عن هذه الدلالة وسعوا في تقريرها وأبانوا عن استقامتها أدبا مع اللّه تعالى وعلما بموضع الدلالة منها .
واعلم أنّ الكلام في توحيد اللّه من حيث كونه إلها فرع عن إثبات وجوده ، وهذا باب التّوحيد فلا حاجة لنا في إثبات الوجود ، فإنّه ثابت عند الذي نازعنا في توحيده .
وأمّا إثبات وجوده فمدرك بضرورة العقل الوجود ترجيح الممكن بأحد الحكمين ؛ وأمّا أحديّة الذات فلا يعرف « 2 » لها ماهيّة حتى يحكم عليها ، لأنّها لا يشبه شيئا من العالم ولا يشبهها شيء فلا يتعرّض العاقل إلى الكلام في ذاته إلّا بخبر من عنده ومع إتيان أخباره « 3 » ، فإنّا نجهل نسبة ذلك الحكم إليه لجهلنا به ، بل نؤمن على ما قاله وعلى ما يعلمه هو ، فإنّ الدليل لا يقوم إلّا على نفي التشبيه شرعا وعقلا ؛ فهذه طريقة [ قريبة ] « 4 » عليها أكثر علماء النّظر .
وأمّا الموحّدون بنور الإيمان الزّائد على نور العقل وهو الذي يعطي السّعادة وهو نور « 5 » لا يحصل عن دليل أصلا وإنّما يكون عن عناية إلهيّة بمن وجد عنده ، ومتعلّقه صدق المخبر فيما أخبر به عن نفسه خاصّة ، ليس متعلّق الإيمان أكثر من هذا ، فإن كشف متعلّق الخبر فبنور آخر ليس نور الإيمان ، لكن « 6 » لا يفارقه نور الإيمان .
وبالجملة ، فذلك النّور هو الذي يكشف له عن أحديّة نفسه وأحديّة كلّ موجود الذي بها يتميز عن غيره سواء كان ثمّ صفة يقع فيها الاشتراك أو لا يكون لابدّ من أحديّة يخصّه يقع بها الامتياز له عن غيره . فلمّا كشف للعبد هذا النّور الكاشف عن أحديّة الموجودات علم قطعا بهذا النور أنّ اللّه تعالى له أحدية يخصّه ؛ فإمّا أن يكون عينه فيكون أحدية الذّات أحديّة المرتبة ، وإمّا أن يكون أحدّية المرتبة فيوافق
هامش
( 1 ) . المتقدّمون : + كأبي حامد وإمام الحرمين وأبي إسحاق الأسفرايني والشيخ أبي الحسن ( الفتوحات ) .
( 2 ) . تعرف ( الفتوحات ) : يعرف جميع النسخ .
( 3 ) . اخباره : الخبر ( الفتوحات ) .
( 4 ) . قريبة ( الفتوحات ) : غريبة جميع النسخ .
( 5 ) . نور : - ن .
( 6 ) . لكن : - ن