وبعضهم دقّق النّظر وقال : الضمير في « وجهه » راجع إلى الشيء ؛ بيان ذلك أنّ للأشياء جهتين ووجهين : وجه إلى اللّه ومن هذا الوجه صار موجودا ذا أحكام كثيرة وآثار مرتبّة ، ووجه إلى ذاته ، وليس له من هذا الوجه إلّا السّلب والفقدان وغير العدم والنقصان ، فمعنى الآية كلّ شيء هالك ومعدوم إلّا من الوجه الذي له إلى اللّه الذي منه المبدأ وإليه المعاد .
الوجه الثاني ، طريقة أهل اللّه المؤيّد نظرهم الصّحيح بالكشف الصّريح ، ووافقهم الأخبار عن الأئمّة الأطهار وهي أنّ « الوجه » في قوله سبحانه
كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ
هم الرّسل والأنبياء والأئمة والأوصياء عليهم صلوات اللّه . بيان ذلك بطريقين :
أوّلهما « 1 » : إنّ « الوجه » في الوضع الإلهيّ هو ما يواجهك من الشيء ؛ فوجه الإنسان هو ما يواجهك به من هذه التخطيطات والتشكيلات ، ووجه الثياب هو ما يواجهك به من ظاهره ، ووجه الكتاب هو ما يواجهك « 2 » به بحيث يتمكّن من قراءته ، ووجه المسألة هو ما يواجهك به من التحقيق في حلّه ، وهكذا في سائر الأشياء ؛ « 3 » فوجه اللّه هو ما يتوجّه به إلى اللّه وليس إلّا الأنبياء والأولياء من حيث إنّه بالإقبال عليهم وانقيادهم والقبول لأمرهم والتديّن بدينهم يتوجّه إلى اللّه .
ومن هذا الوجه يصحّ أيضا أن يعبّر عن « الوجه » « بالدّين » كما ورد في أخبار المعصومين :
ففي الأوّل ، ورد عن الرضا عليه السّلام في حديث أبي الصّلت قال عليه السّلام « 4 » :
« من وصف اللّه بوجه كالوجوه فقد كفر ، ولكن وجه اللّه أنبياؤه ورسله وحججه صلوات اللّه عليهم ، هم الذين يتوجّه بهم إلى اللّه وإلى دينه ومعرفته » . وعن الصّادق عليه السّلام قال « 5 » : « نحن وجه اللّه الذي لا يهلك » .
هامش
( 1 ) . اوّلهما : أوليهما ج م .
( 2 ) . من الشيء . . . يواجهك : - ن .
( 3 ) . في حلّه . . . الأشياء : - ن .
( 4 ) . عيون أخبار الرضا ، ج 2 ، ص 106 .
( 5 ) . التوحيد ، باب تفسير قول الله عز وجل : كل شئ هالك إلّا وجهه ، الحديث 4 ، ص 150 .