الاستيلاء ، وأنّ ما ظهر فهو وجه من وجوه ما اشتمل عليه الباطن ، وذلك لأنّه وإن كان يظهر في بادئ الرأي وأوّل الوهلة أنّ الظاهر محيط بالباطن ، فعند الرجوع إلى التحقيق يكشف أنّ الباطن مستولي وحاكم على الظاهر ومحيطة به إحاطة حقيقيّة « 1 » .
وبالجملة ، الظاهر والباطن كلّ منهما يحوم حول الآخر ، فباعتبار آخر يكون الظاهر محيطا بالباطن وذلك بحسب ظاهر الأمر وأوّل النظر ، وباعتبار آخر يكون الباطن محيطا بالظاهر وذلك بحسب الحقيقة ؛ فكون كلّ من الكرسيّ والعرش في الآخر صحيح لكن إحاطة الأوّل بالثاني هي الإحاطة الحقيقيّة والثاني هو الإحاطة الظاهريّة « 2 » ؛ فاحتفظ بذلك فإنّه تحقيق شريف نافع « 3 » في كثير من المواضع . والحمد للّه « 4 » .
وجه آخر : وهو أنّ ما قلنا من أنّ الكرسيّ عبارة عن الصورة لست أقول « 5 » هي بنفسها لا مع انضمامها إلى المادّة فإنّ ذلك من المستحيل ؛ بل المراد أنّه هي من حيث وجودها في الجسم ؛ فالكرسيّ كأنّه الجسم المنوّع والمرّكب مشتمل على الأجزاء وإن كان الجزء محيطا به باعتبار ، مثال ذلك الحيوان والإنسان ، فإنّ كل واحد منهما مشتمل على الآخر باعتبار كما لا يخفى ؛ فافهم !
وأمّا حلّ المناقضة الثانية فهو أنّ كون الكرسيّ هو الباب الظاهر من الغيب لا ينافي كونه هو العلم الذي لم يطّلع اللّه عليه أحدا من رسله ، بل الأوّل على الثاني دليل صريح ، وذلك لأنّ استيلاءهم عليهم السلام وإحاطتهم واطّلاعهم على الباطن أشدّ وعدم التفاتهم إلى الظاهر أكثر ، كما روي عن أمير المؤمنين عليه السلام من قوله : « إنّي بطرق السماء أعرف من طرقكم هذه » « 6 » . وأيضا ، لمّا كان الكرسيّ هو الباب الظاهر الذي منه مطلع البدع أي مظهر « 7 » المبدعات ومطلعها من أفق الإبداع على عالم الحسّ والشهادة وإنّما يتحقّق البداء « 8 » في هذه المرتبة ، وعلوم الأنبياء لا يتطرّق إليها البداء كما
هامش
( 1 ) . حقيقية : حقيقة ن .
( 2 ) . الظاهرية : الظاهر ج .
( 3 ) . نافع : - ن .
( 4 ) . فاحتفظ . . . للّه : - ج .
( 5 ) . أقول : + إنّه ج .
( 6 ) . مناقب آل أبي طالب ، ج 2 ، ص 39 : « فإنّي بطرق السماوات أخبر منكم بطرق الأرض » .
( 7 ) . مظهر : ظهور ع م .
( 8 ) . البداء : المبدأ ع م .